ـ وأما رحلاته للحج والعمرة؛ فهي باب فريد من أبواب عبادته ونشاطه، وفنّ عجيب من فنون حبه لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وشوقه المتأجج وحنينه، يشهد بذلك كلّ من خالطه، أو أكرمه الله بصحبته في رحلة من هذه الرحلات المباركة.
وكان يشترط على من يرغب بصحبته في سفر الحج أن يستجيب لكل ما يرشده إليه من سنن وآداب وأوامر شرعية .. وكان يقول:"إننا نذهب إلى الحج لنتخلّص من ذنوبنا وأوزارنا، فكيف نصحب معنا من يصرّ على المعصية، ونخالطه ونجالسه، وهو يأبى أن يتخلى عن مخالفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -؟! إن من شرط المرافقة الموافقة ..".
وقال مرة لبعض التجار وقد أراد صحبته في رحلة الحج:"إن شروطنا شديدة قد لا تتحملها ـ يريد أن يحمسه بذلك ـ قال: وما هي؟ قال:"ألا يصرّ مرافقنا على معصية، أو مخالفة للسنة .."قال: أفعل، قال:"فمن الآن، عاهد الله على ألا تحلق لحيتك، فاستجاب وصحب الشيخ، وعاد محافظًا على كثير من الآداب والسنن التي تعلمها في ذلك السفر المبارك.
ـ وكان يعدّ رحلة الحج والزيارة شفاء لقلبه وروحه وجسده، ويقول:"إنني أقضي نصف العام في ذكريات الحج والزيارة، ونصفه الآخر في الشوق والحنين إلى تلك الديار".
2ًـ ولاؤه لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم: وقد كان الشيخ رحمه الله في الذروة ممن عرفنا في الولاء لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فمن ذلك:
ـ كنا معه مرة في بعض الرحلات؛ فطلب منا أن نفكر في أرجى عمل، نتقرّب به إلى الله، ونرجو أن يكون سبب نجاتنا بين يديه سبحانه، ففكّر كل منا بأعماله، وأجاب بشيء من ذلك: ثم سألناه عن أرجى أعماله عنده فقال:"ليس لي كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكن أرجى عمل عندي: الحبّ في الله، والبغض في الله".
ـ ودخل مرة جامع أبي ذر، وكنا في ساحته، فرأينا على وجهه أثر الحزن، فأدركنا أنه قد سمع بأمر مما يهمّ الإسلام والمسلمين، ثم بلغنا ما وقع من ابتلاء وظلم لبعض الدعاة، وسجن وتشريد.
ـ وكان على غيرة عظيمة إذا رأى أو سمع بانتهاك حرمة من حرمات الله، أو وقوع ظلم وعدوان على بعض الدعاة، يبذل قصارى جهده مع إخوانه العلماء في دفع ما وقع.
ـ وكان كثيرًا ما يتأثّر ويبكي على المنبر، وفي دروسه العامة، عندما يتحدث عن غربة الإسلام في هذا الزمن، وما يقع من المنكرات، وانتهاك الحرمات.