الصفحة 71 من 176

فتعهد له الشيخ أن يطمس تلك الصور بطريقة فنية دون أن يظهر ذلك، فوافقه الرجل، فحمل الشيخ الصورة، وكانت كبيرة، وعهد إلى بعض إخوانه من ذوي المواهب الفنية، فغيّر المنكر، ثم ردّها إلى صاحبها.

ـ وكان يحضر معه من سفر الحجّ كل عام ما لا يقل عن خمسين صورة كبيرة من صور الحرمين الشريفين، ويجعلها في إطارات فنية، ويقدّمها هدايا، وأكثر ما يقدمها لإزالة منكرات معلقة في البيوت التي يدخلها فيقول لصاحب البيت:"أزل هذا المنكر وأنا أعوضك عنه صورة الكعبة المشرفة، أو صورة مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -"، فيرضى صاحب البيت بذلك، وقد دخلت عدة بيوت فحدّثني أصحابها أن تلك الصور المعلقة هي من إهداء الشيخ رحمه الله، وكان قبلها صورة لوالد صاحب البيت، أو صورة جدّه، أو أحد المشايخ.

ـ وكان شديد الغيرة على حرمات الله إذا انتهكت، يرى في وجهه الغضب والحزن الشديد عندما يسمع بمنكر من المنكرات، وكان يرى أن المنكرات العامة لا يزيلها إلا اجتماع كلمة العلماء، ومراجعة المسئولين فيها، فكان دائب السعي لجمع كلمة العلماء لهذا الغرض.

ـ وطبيعة الشخ العملية، جعلته لا يتحدّث عن المنكرات حديثًا عامًا، وإنما ترجم ذلك إلى أسلوب عملي، فكتب مذكرة تحت عنوان:"موقف المسلم الحق من منكرات الزمان"، فصّل فيها المنكرات التي فشت في جميع مجالات الحياة الاجتماعية، وبيّن ما يجب على المؤمن في إنكارها، وأملاها علينا في مجلس:"تذكير وتحذير"ثمّ ضمّن بعضها كتابه:"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

8ًـ قوته في الحق وصلابته، وجرأته وصراحته: قوة الشيخ في الحق وصلابته كانت سمة ظاهرة تميّز حياته وشخصيته، فما أكثر ما كان يذكُرُ ويذكّر:"أن داء بعض الدعاة فضلًا عن عامة المسلمين، أنهم ضعفاء مهازيل، مستكينون أمام الأهواء والشهوات، منهزمون أمام المغريات والملهيات، يتمكن من رقابهم الباطل في أول جولة من صراعهم معه، وإن أعظم ابتلاء لدعوة الإسلام أن يدّعي نصرتها من لا يكون قويًا في الحق، صلبًا في دين الله .." [1] .

أ ـ وإن من قوة الشيخ في الحق، وحرصه عليه، وجرأته فيه: أنه لم يكن ليؤثر عليه أهلًا ولا ولدًا، ولا صديقًا ولا قريبًا، ولم يكن ليبالي بمخالفة الناس له أو موافقتهم [2] ، وإذا ظهر له أن الحق مع مخالفه سرعان ما فاء إليه ولزم ركابه، وكان يقول:"إن أعناقنا جسر للحق وأهله"ويقول أيضًا:"إن ولدي وأبعد الناس عندي في الحق سواء".

ب ـ وكان إيثاره للحق وحرصه عليه يحمله على أن يشتدّ على أهله وولده أكثر من الآخرين، وكان يتمثّل بما أثر عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان إذا أراد أن يأمر الناس بشيء

(1) ـ من أمالي الشيخ في"تذكير وتحذير".

(2) ـ وقد مرّ بنا قريب من هذا الكلام في شهادة الدكتور نور الدين العتر في المبحث الأول من هذا الفصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت