الصفحة 74 من 176

، وبعد أيام وقف على حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته"قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون:"حمدك واسترجع ـ أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون"فيقول الله تعالى:"ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسمّوه بيت الحمد) [1] ، فحمد الله تعالى كثيرًا أن وفّقه للحمد، وهو لم يكن يعلم بهذه الفضيلة في هذه المناسبة.

ـ ومن صبره كذلك صبره على شدّة الآلام في مرض وفاته وقد سبق الحديث عن ذلك في المبحث الأول.

2ًـ عفوه وصفحه، وسلامة صدره: إن المؤمن عندما يحكم صلته بربه، ويسعى جهده في مرضاته، يغطّي حاله مع الله سبحانه، من الأنس والرضا والفرح بالله والشعور بقربه، على علاقته بالناس وعلاقة الناس به، فلا يبالي أي موقف وقفوا منه، يحرص على هدايتهم واستجابتهم، ويغتمّ لغفلتهم وإعراضهم، ويشفق عليهم أن يعرّضوا أنفسهم لغضب الله، ولا يتأثّر بإيذائهم وإساءتهم، لأنه يرى الناس مرضى والطبيب العاقل لا يغضب من المرضى بل يشفق عليهم ويعذرهم.

ولقد حدّثنا الشيخ بهذه المعاني كثيرًا ووجّهنا إليها، ولمسنا تحققه بها في مواقف عديدة، فمع شدّة تمسك الشيخ بالحق وغيرته عليه، فقد كان لا يحمل في قلبه على مخالفه غلًا أوحقدًا، لأن خلافه معه كان لله، وتلك معادلة صعبة، قلّ من يستطيع التحقق بها من دعاة الإسلام.

ـ وكان كثيرًا ما يتمثّل بقول الإمام الشافعي رحمه الله، وقد ضمّنه إحدى وصاياه:

من نال مني أو علقت بذمّتهْ ... سامحته ... لله راجي منّتهْ

كيلا أعوّق مؤمنًا يوم الجزا ... ولا أسيء محمدًا في أمّتهْ

ـ وحدّثنا ولده الشيخ محمد أبوالنصر أنه عندما حدثه بهذه المعاني، وهو عنده في دمشق، في مرضه الذي توفّي فيه، أخذ ولده يذكّره بالذين كانت بينه وبينهم مواقف خلاف، وخصومات في الحق، فأكّد له الشيخ عفوه وصفحه عنهم، وأنه لا يحمل في قلبه ذرّة من الضغن أو الغِلِّ على أحد.

3ًـ جوده وكرمه: عرف الشيخ بين أهله وإخوانه، ومحبّيه ومعارفه، بالكرم والجود فهانت عليه الدنيا على قدر عظمة الآخرة في قلبه، وكان كثيرًا ما يقول:"أقبح من كل"

(1) ـ رواه الترمذي (1021) ، وقال: حديث حسن، وصحّحه ابن حبّان (726) وأخرجه أبو داود الطيالسي 2/ 46/ وأحمد 4/ 415/.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت