واقعهم عانينا منهم مظاهر كثيرة من فساد التربية، الذي يرى غير المتمرس بالتربية أنه لا يفلح معها إلاّ الضرب واستعمال العصا، فحدّثنا الشيخَ عما رأينا وقلنا: إن الضرب أمر لا مفرّ منه مع هؤلاء، إنّهم أحداث جانحون، فأصرّ علينا ألاّ نفعل مهما يكن الأمر، وكان رحمه الله كلما عرض عليه هذا الواقع، أصرّ على منع الضرب، وبعد سنوات أثمر أسلوب الشيخ التربوي مع هؤلاء اليتامى، وظهرت منهم ثلّة سويّة، مستجيبة لدين الله ودعوته، مقبلة على الخير.
وكان الشيخ يوليهم عناية خاصة فيزورهم بين الحين والآخر، ويوجّههم، ويقدّم لهم أنواع الحلوى والضيافة، ويهديهم بعد الحج بطاقات عن مناسك الحج ومشاعره، مما ترك في نفوسهم أطيب الأثر.
6 ـ برّه وصلة رحمه، وخدمته لأهله ومروءته: وكان رحمه الله بَرًّا بأهله وأولاده، برًّا بإخوانه، برًا بطلاّب العلم والعلماء.
أ ـ فأما برّه بأهله وأولاده؛ فقد كان على غاية من حسن الخلق معهم، ولطف المعشر، وسموّ المعاملة، والتكريم بما استطاع من المباحات ترويحًا عن نفوسهم، وتجديدًا لنشاطهم على طاعة الله تعالى، وكان يتمثّل لذلك بما روي في الحديث: (رحم الله والدًا أعان ولده على بره) [1] .
ب ـ قال لي مرّة ولده الشيخ محمد أبو النصر رحمه الله:"إن برّ الوالد بنا يفوق مرات كثيرة برّنا به، وهذا شعوري وشعور جميع الإخوة والأخوات"، وهذا من أصدق المعايير التي تثبت نجاح الوالد في علاقته بأولاده، وأدائه لحق الأبوة التربويّ على الوجه الأمثل.
ج ـ ومن برّه بزوجه ووفائه لها أنه صبر على مرضها ثماني سنين، ولم نسمع منه خلال ذلك أي تضجّر أو تبرُّم، بل كان خلالها على غاية من الإحسان والخدمة، والحثّ لأولاده على مضاعفة البرّ بأمهم،، والتنافس في ذلك، وعندما تزوج زوجه الثانية حرص ألا يبلغ هذا الأمر إلى زوجه الأولى برًّا بها، وحرصًا على خاطرها، وأكّد على أولاده وبناته ذلك.
ب ـ وأما برّه بإخوانه، فقد كان يتفقّد أحوالهم، ويرعى شئونهم بنفسه ويتابعها، ويقدّم ما يستطيع لكشف كرباتهم، وتفريج همومهم، وكان يقدّم مساعدات دورية لبعض إخوانه المعسرين، أو الذين لا دخل لهم، ولا يدّخر وسعًا في ذلك.
(1) ـ رواه أبو الشيخ بن حبّان في كتاب الثواب من حديث عليّ وابن عمر رضي الله تعالى عنهما بسند ضعيف كما في تخريج أحاديث الإحياء 2/ 217/.