* ـ وأمّا مزاحه وفكاهته، فقد عرف الشيخ رحمه الله بين إخوانه وأحبابه بروح الدعابة والمزاح، فكان لا يملّ جليسه من فكاهة حديثه، ومداعباته التي تدخل السرور على القلوب.
أ ـ وكان يحفظ من الدعابات والممازحات ما يضفي جوًا من البشر على المجلس الذي يكون فيه، ولا يخلو مزاحه من هدف تربويّ، وكان لا يقول إلا حقًا، ولا ينطق إلا صدقًا، ولا يؤذي جليسًا، ولا يسيء إليه، ولا يجرح مشاعره، فإذا كان الجدّ، علاه الوقار، ورأيت الخشوع في منطقه ووجهه، والغيرة على الإسلام تجري في عروقه، وربّما قام إلى الصلاة، فسمع المصلّون بكاءه.
ب ـ وكانت أكثر فكاهاته ومداعباته تربوية هادفة: أذكر أنه كان يملي علينا درسًا في الفقه الشافعي من كتاب له في العبادات، على غرار كتابه في المذهب الحنفي، وكان يجعل الدرس بطريقة حوارية شيّقة، يطرح المسألة الفقهيّة، ويسألنا عمّا نظنّه الرأي فيها، ثم يبيّن لنا المذهب، ويوضّح مأخذه ودليله، فسأله مرّة أحد الإخوة بلهجة عامية:"ما الفرق إذا وقع في بركة (حوض ماء) يا كلب .. يا خنزير؟"ـ يعني: إما كلب أو خنزير ـ فطلب الشيخ منه أن يعيد سؤاله لعله يصحّح لغته، فأعاد السؤال نفسه، فقال له الشيخ: أعرب يا فلان! أداة (يا) في سؤالك؛ أهي أداة نداء أم ماذا؟ ففطن الأخ وخجل، وأخذ يعتذر، والشيخ يضحك ويقول له:"يا .. يا .. أما كان لك أن تقول:"البعيد"وهي كلمة تقال إذا تكلّم المتكلّم بما يجلّ السامع عنه، فزاده خجلًا واعتذارًا مما قال."
وانتهز الشيخ هذه المناسبة ليؤكد لنا على الاهتمام باللغة العربية في حديثنا، وأن نتجنّب العاميّة السوقية، وبقي أيّامًا كلما رأى ذلك الأخ يبتسم في وجهه، يذكره بما قال ..
ج ـ وكان يمازحنا في الرحلات، ويشاركنا في بعض النشاطات، ويشاهد بنفسه المسابقات الرياضيّة التي يجريها الإخوة، ويشجّع عليها، ويجري مسابقات في السباحة، وفي طول النفس داخل الماء، ويشارك فيها، كما يجري لنا مسابقات ثقافية حول بعض الموضوعات من القرآن والسنة، ويشجّع الفائزين بهدايا ثمينة يقدّمها لهم، وقد حصل الباحث منه على هدايا لا يزال يعتزّ بها.