وإنما يتهيأ ذلك على سواعد رجال، آمنوا بالله وبشريعة الله، وصدقوا في تكوين أنفسهم، وتربيتها على الإسلام الكامل، وتضافروا على الخير، وتعاونوا على الحق، إلى أن يتألف منهم مجتمع صالح، يمثل القدوة العملية المفقودة، وما ذلك على الله بعزيز"."
4 ـ ويتحدّث في الركن الرابع من أركان الدعوة إلى الإسلام، وهو"الذكر"عن أهمية الجانب الروحي في حياة الإنسان، واهتمام الإسلام به فيقول:"... اهتمّ الإسلام بالروح اهتمامًا كبيرًا، وحثّ على سلامتها من أدران المادة، وأوصاف البهيمة، وهيأ لها غذاء روحيًا، يحفظ بقاءها، ويبعث فيها القوة والصفاء، والطهارة والإشراق، فكما أن الجسد إذا انقطع عنه غذاؤه، ذبل وضعف، وانحلّت قواه، وصار إلى هلاك، فكذلك الروح إذا انقطع عنها غذاؤها الروحي، كان مآلها الذبول والاضمحلال، وصارت إلى موت معنوي .."
"وإن الغذاء الروحيّ الذي أعدّه الإسلام لبقاء الأرواح، ونمائها وصفائها، وقوّتها وإشراقها هو ذكر الله عز وجل ودوام مراقبته، واستشعار النفس علم الله المحيط بكل شيء".
ـ وعن أهمية الذكر للمسلم يقول:"وأنت بعد هذا إذا سمعت قول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم: (مثل الذي يذكر ربّه، والذي لا يذكره مثل الحيّ والميّت) [1] ، عرفت أن الذكر دعامة قوية يقوم عليها بناء الدين كله، ينبئ عن هذا قول الله جلّ ذكره: {فاذكروني أذكركم .. (152) } البقرة .. فلا عجب إذن أن يشبّه النبي - صلى الله عليه وسلم - الذاكر، وقد استنار قلبه بنور المعرفة، وتحلّى قالبه بحلية الطاعة، بالحيّ الذي تزيّن ظاهره ببهجة الحياة، وباطنه بنور العلم والإدراك، وأن يشبّه الغافل، وقد قسا قلبه، وأظلمت نفسه بالجثة الهامدة، تعطّل ظاهرها، وأظلم باطنها، فلحقت بعالم الجماد".
ـ وتحت عنوان"الذكر والدعوة إلى الإسلام"يقول:"الدعاة إلى الله تعالى لابدّ لهم من عدد، وأقوى عددهم قلوب عامرة بالإيمان، مشرقة بأنوار اليقين، دائمة الصلة بالله تبارك وتعالى، ويعبّر عن هذه القلوب ألسنة ناطقة بالحقّ داعية إليه .. فإذا عمرت قلوب الدعاة بذكر الله تعالى، وأشرقت بالإيمان واليقين، عبّرت عنها الألسن بأوضح بيان، ونطقت بالحكمة والعرفان، فكل كلام يبرز، وعليه كسوة القلب الذي برز منه .. وقديمًا قيل:"ما خرج من القلب وقع في القلب، وما خرج من اللسان لا يجاوز الآذان"."
(1) ـ رواه البخاريّ 11/ 175 و 177 ومسلم (779) .