فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 17

وتأمل في حال الخلائق وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا، فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفًا ينتظرون حقيقة أنبائها وتشفيع شفعائها، إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب، وأطلت عليهم نار ذات لهب، وسمعوا لها زفيرًا وجرجرة تفصح عن شدة الغيظ والغضب، فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب، وجثت الأمم على الركب، حتى أشفق البرءاء من سوء المنقلب، وخرج النادي من الزبانية قائلًا: أين فلان بن فلان المسوف نفسه في الدنيا بطول الأمل، المضيع عمره في سوء العمل، فيبادرونه بمقامع من حديد، ويستقبلونه بعظائم التهديد، ويسوقونه إلي العذاب الشديد، وينكسونه في قعر الجحيم، ويقولون له: { ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } [الدخان: 49] .

فأسكنوا دارًا ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك، يخلد فيها الأسير، ويوقد فيها السعير، شرابهم فيها الحميم، ومستقرهم الجحيم، الزبانية تقمعهم، والهاوية تجمعهم، أمانيهم فيها الهلاك، وما لهم منها فكاك.

قد شدت أقدامهم إلي النواصي، واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي، ينادون من أكنافها ،ويصيحون في نواصيها وأطرافها، يا مالك قد حق علينا الوعيد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود، فتقول الزبانية: هيهات لات حين أمان، ولا خروج لكم من دار الهوان، فاخسؤوا فيها ولا تكلمون، ولو أخرجتُم منها لكنتم إلي ما نهيتُم عنه تعودون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت