فعند ذلك يقنطون وعلى ما فرطوا في جنب الله يتأسفون، ولا ينجيهم الندم، ولا يغنيهم الأسف، بل يكبون على وجوهم مغلولين، النار من فوقهم، والنار من تحتهم، والنار عن أيمانهم، والنار عن شمائلهم، فهم غرقي في النار، طعامهم نار، وشرابهم نار، ولباسهم نار، ومهادهم نار، فهم بين مقطعات النيران، وسرابيل القطران، وضرب المقامع، وثقل السلاسل، فهم يتجلجلون في مضايقها، ويتحطمون في دركاتها، ويضربون بين غواشيها، تغلي بهم النار كغلي القدور، ويهتفون بالويل والعويل، ومهما دعوا بالثبور صُب من فوق رؤوسهم الحميم، يُصْهَر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مَقامع من حديد، تهشم بها جباههم فينفجر الصديد من أفواههم، وتتقطع من العطش أكبادهم، وتسيل على الخدود أحداقهم، ويسقط من الوجنات لحومها، وهم مع ذلك يتمنون الموت فلا يموتون» [الإحياء للغزالي] . نسأل الله العفو والعافية.
فما هي هذه النار التي أشفق علينا منها النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ وما حال أهلها كما جاء في كتاب الله تعالي وسُنة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أعاذنا الله منها بفضله ومنه وكرمه؟
مقياسها بنار الدنيا [1] :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم» قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلها مثل حرها» [متفق عليه] .
عمقها وشدة حرها: عن عتبة بن غزوان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الصخرة العظيمة لتُلقي من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عامًا ما تفضي إلي قرارها» [مسند أحمد (4/174) ، والترمذي (10/45، 46) وصححه الألباني] .
(1) نقلًا عن"البحر الرائق"للشيخ أحمد فريد - حفظه الله.