فهرس الكتاب
قال ابن القيم ×:=وأكثر الناس من المتنزهين عن الكبائر الحسية والقاذورات _ في كبائر مثلها أو أعظم منها أو دونها، ولا يخطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها؛ فعندهم من الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم وصولة طاعتهم، ومنَّتهم على الخلق بلسان الحال، واقتضاء بواطنهم لتعظيم الخلق لهم على طاعتهم اقتضاءًا لا يخفى على أحد غيرهم، وتوابع ذلك ما هو أبغض إلى الله، وأبعد لهم عن بابه من كبائر أولئك؛ فإن تدارك الله أحدهم بقاذورة أو كبيرة يوقعه فيها؛ ليكسِر بها نفسه، ويعرفه قدره، ويُذله بها، ويخرج بها صَوْلة الطاعة من قلبه _ فهي رحمة في حقه، كما أنه إذا تدارك أصحاب الكبائر بتوبة نصوح، وإقبال بقلوبهم إليه _ فهو رحمة في حقهم، وإلا فكلاهما على خطر+ (1) .
ثم إن التذلل والانكسار والخضوع لب العبودية؛ إذ هذه الأعمال القلبية أحب إلى الله من كثير من الأعمال الظاهرة، وحصول ذلك للمذنب التائب أكمل له من غيره؛ فإنه قد شارك من لم يُذنب في ذل الفقر والعبودية والمحبة، وامتاز عنه بانكسار قلبه.
وقد جاء في الأثر الإسرائلي: =يا رب أين أجدك؟
قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي+ (2) .
ولأجل هذا كان =أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد+ (3) .
لأنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه.
(1) مدارج السالكين 1/205.
(2) ذكره ابن القيم في مدارج السالكين1/306، وأورده في إغاثة اللهفان ص97عن عمران ابن موسى القصير قال: قال موسى _ عليه السلام _: =يا رب أين أبغيك؟ قال أبغني عند المنكسرة قلوبهم؛ فإني أدنو منهم كل يوم باعًا، ولولا ذلك لانهدموا+.
ورواه ابن أبي الدنيا في الهم والحزن ص56 بإسناده عن عبد الله بن شوذب قال: قال داود النبي: =أي ربِّ! أين ألقاك؟ قال: تلقاني عند المنكسرة قلوبهم+.
(3) أخرجه مسلم (482) .