فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 246

ولعل هذا هو السر في استجابة دعوة المظلوم، والمسافر، والصائم؛ للكسرة في قلب كل واحد منهم؛ فإن لوعة المظلوم تُحْدِثُ عنده كسرة في قلبه، وكذلك المسافر في غربته يجد كسرة في قلبه، وكذلك الصوم، فإنه يكسر سورة النفس السَّبُعية الحيوانية.

13_ هياج العبوديات القلبية وانبعاثها: ذلك أن لله على القلوب أنواعًا من العبودية، من الخوف، والخشية، والإشفاق، والوجل، وتوابعها من المحبة، والإنابة، وابتغاء الوسيلة وتوابعها.

وهذه العبوديات لها أسباب تهيجها وتبعث عليها؛ وكلما قيَّض الرب _تعالى_ لعبده من الأسباب الباعثة على ذلك، المهيجة له فهو من أسباب رحمته، ورُبَّ ذنب قد هاج لصاحبه من الخوف، والإشفاق، والوجل، والإنابة، والمحبة، والفرار إلى الله ما لا يهيجه كثير من الطاعات، وكم من ذنب كان سببًا لاستقامة العبد، وفراره إلى الله، وبعده عن طريق الغي (1) .

14_ أن يعرف العبد نعمة معافاة الله وفضله، وتوفيقه له، وحفظه إياه: فإن من تربى في العافية لا يعلم ما يقاسيه المبتلى، ولا يعرف مقدار العافية؛ فلو عرف أهل الطاعة أنهم هم المنعم عليهم في الحقيقة لعلموا أن لله عليهم من الشكر أضعاف ما على غيرهم وإنْ توسَّدوا التراب، ومضغوا الحصى، فهم أهل النعمة المطلقة، وأنَّ من خلَّى الله بينه وبين معاصيه فقد سقط من عينه، وهان عليه.

فإذا طالبت العبدَ نَفْسُه بما تطالبه من الحظوظ والأقسام، وأَرَتْهُ أنه في بلية وضائقة تداركه الله برحمته، وابتلاه ببعض الذنوب، فرأى ما كان فيه من المعافاة والنعمة، وأنه لا نسبة لما كان فيه من النعم إلى ما طلبته نفسه من الحظوظ، فحينئذٍ يكون أكثر أمانيه وآماله العودَ إلى حاله، وأن يمتعه الله بعافيته (2) .

(1) انظر مفتاح دار السعادة 1/293.

(2) انظر مفتاح دار السعادة 1/293.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت