فهرس الكتاب
كالرجل الشجاع إذا جرح فإنه لا يقوم له شيء، بل تراه بعدها هائجًا، طالبًا، مقدامًا.
والقلب المهين كالرجل الضعيف المهين إذا جرح ولَّى هاربًا، والجراحات في أكتافه.
وكذلك الأسد إذا جرح فإنه لا يطاق؛ فلا خير فيمن لا مروءة له، لا يطلب أخذ ثأره من أعدى عدوٍّ له.
فما شيء أشفى للقلب من أخذه بثأره من عدوه، ولا عدوَّ أعدى له من الشيطان؛ فإن كان له قلب من قلوب الرجال المتسابقين في حلبة المجد جدَّ في أخذ الثأر، وغاظ عدوَّه كل الغيظ، وأضناه (1) .
كما جاء عن بعض السلف: =إن المؤمن لَيُنْضِي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في سفره+ (2) .
19_ معرفة الشر؛ حذر الوقوع فيه: فالذي يقع في الذنب يصير كالطبيب ينتفع به المرضى في علاجهم ودوائهم؛ فالطبيب الذي عرف المرض مباشرة، وعرف دواءه وعلاجه أحذق وأخبر من الطبيب الذي عرف الداء وصفًا فحسب.
هذا في أمراض الأبدان، وكذلك أمراض القلوب وأدواؤها.
ولذلك كان الصحابة _ رضي الله عنهم _ أعرف الأمة بالإسلام، وتفاصيله، وأبوابه، وطرقه، وأشد الناس رغبة فيه، ومحبةً له، وجهادًا لأعدائه؛ لعلمهم بضده.
فإذا عرف العبد الضدين، وعلم مباينة الطرفين، وعرف أسباب الهلاك على التفصيل _ كان أحرى أن تدوم له النعمة ما لم يؤثر أسباب زوالها على علم، وفي مثل هذا قال القائل:
عرفتُ الشرَّ لا للشرْ ... رِ لكنْ لتوقِّيه
ومن لا يعرف الشرَّ ... من الناس يقعْ فيه
وهذه حال المؤمن يكون فطنًا حاذقًا أعرف الناس بالشر، وأبعدهم عنه؛ فإذا تكلم في الشر وأسبابه ظننته من شر الناس، فإذا خالَطْتَهُ، وعرفت طويته رأيته من أبر الناس.
والمقصود أن من بُليَ بالآفات صار أعرف الناس بطرقها، وأمكنه أن يسدها على نفسه، وعلى من استنصحه من الناس، ومن لم يستنصحه (3) .
(1) انظر مفتاح دار السعادة 1/295.
(2) مفتاح دار السعادة 1/295.
(3) انظر مفتاح دار السعادة 1/295_296.