فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 246

20_ ابتلاء العبد بالإعراض عنه: فالله _ عز وجل _ يذيق عبده ألم الحجاب عنه، وزوال ذلك الأنس به، والقرب منه؛ ليمتحن عبده، فإن أقام العبد على الرضا والحال، ولم يجد نفسه تطالبه بحالها الأول مع الله، بل اطمأنت وسكنت إلى غيره _ علم أنه لا يصلح، فوضعه في مرتبته التي تليق به.

وإن استغاث استغاثة الملهوف، وتَقَلَّقَ تَقَلُّقَ المكروب، ودعاه دعاء المضطر، وعلم أنه قد فاتته حياته حقًَّا، فهو يهتف بربه أن يرد عليه ما لا حياة له بدونه _ علم أنه موضعٌ لما أُهِّلَ له، فردَّ عليه أحوج ما هو محتاج إليه، فعظمت به فرحته، وكملت به لذته، وتمت به نعمته، واتصل به سروره، وعلم حينئذٍ مقداره، فعضَّ عليه بالنواجذ، وثنَّى عليه بالخناصر؛ فالعبد إذا بُليَ بَعْدَ الأنْسِ بالوحشة، وبعد القرب بنار البعاد _ اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة، فحنَّتْ، وأنَّتْ، وتصدَّعت، وتعرضت لنفحات مَنْ ليس لها عنه عوضٌ أبدًا، ولاسيما إذا تذكر برَّه، ولطفه، وحنانه، وقربه (1) .

21_ أن الحكمة الإلهية اقتضت تركيب الشهوة والغضب في الإنسان: وهاتان القوتان فيه بمنزلة صفاته الذاتية التي لا ينفك عنهما، وبهما وقعت الفتنة والابتلاء.

وتركيب الإنسان على هذا الوجه هو غاية الحكمة، ولابد أن يقتضي كل واحد من القوتين أثره، فلابد من وقوع الذنب، والمخالفات والمعاصي.

ولو لم تُخلق في الإنسان لم يكن إنسانًا، بل كان مَلَكًا، فأما من اكتنفته العصمة، وضُرِبَتْ عليه سرادقاتُ الحفظ _ فهم أقل أفراد النوع الإنساني، بل هم خلاصته ولبه (2) .

(1) انظر مفتاح دار السعادة 1/296.

(2) انظر مفتاح دار السعادة 1/297.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت