فهرس الكتاب
فنرضى من الوجه الذي هو خلقه ... ونسخط من وجه اكتساب الخطيئةِ (1)
قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي × في شرح هذه الأبيات:
=يعني إذا أورد المورد علينا: أنه يجب الرضا بقضاء الله _ يعني والمعاصي من قدر الله _ فقد أجاب الشيخ _ يعني شيخ الإسلام _ بأربعة أجوبة، كل واحد منها كافٍ شافٍ، فكيف إذا اجتمعت؟
* أحدها: أن الذي أُمرنا أن نرضى به: المصائب دون المعائب، فإذا أُصبنا بمرض أو فقر، أو نحوهما من حصول مكروه أو فقد محبوب فيجب علينا الصبر، واختُلف في وجوب الرضا، والصحيح استحبابه؛ لأنه لم يثبت ورود الأمر به على وجه الوجوب؛ لتعذره على أكثر النفوس؛ لأن الصبر حبس النفس عن التسخط، واللسان عن الشكوى، والأعضاء عن عملها بمقتضى السخط؛ من نتف الشعر، وشق الجيوب، وحثوِ التراب على الرؤوس، ونحوها، وذلك واجب مقدور.
أما الرضا الذي هو مع ذلك طمأنينةُ القلب عند المصيبة، وأن لا يكون فيه تمني أنها ما كانت _ فهذا صعب جدًَّا على أكثر الخلق؛ فلهذا لم يوجبه الله، ولا رسوله، وإنما هو من الدرجات العالية، وهو مأمور به أمرَ استحباب.
وأما الرضا بالذنوب والمعائب، فلم نؤمر بالرضا بها، ولم يأتِ نصٌّ صحيحٌ، أو ضعيفٌ في الأمر بها، فأين هذا من ذاك؟
* الجواب الثاني: ما قاله طائفة من أهل العلم: أن الله لم يرض لنا أن نَكْفُرَ، ونعصي؛ فعلينا أن نوافقَ ربَّنا في رضاه، وسخطه، قال _ تعالى _ [إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ] سورة الزمر: 7.
فالدين: موافقة ربنا في كراهة الكفر، والفسوق، والعصيان، مع تركها، وموافقته في محبة الشكر والإيمان، والطاعة لنا مع فعلها.
(1) مجموع الفتاوى 8/253، وانظر الدرة البهية شرح القصيدة التائية لابن سعدي ص51.