فهرس الكتاب
وكذلك يبينون أن على العبد أن يسعى في مصالحه الدنيوية، ويأخذ بالأسباب المشروعة والمباحة، فإذا حصل على مراده حمد الله، وإن أتت الأمور على خلافه تعزى بقدره، وهكذا. . .
ففي ذلك الغنيةُ عن كثرة الخوض في مثل هذا السؤال؛ فالإنسان إذا فهم باب القدر على هذا النحو سلم من تلك الإيرادات والشبهات.
المبحث الثالث
مسألة الهداية والإضلال مسألة عظيمة، وقد مرَّت إشارات إليها فيما مضى من مباحث، وإنما أُفردت هاهنا؛ لأهميتها، ولكونها تترد كثيرًا في الأذهان، وربما ظهر على بعض الألسنة أحيانًا أسئلة في شأنها، فيقال: إذا شاء الله من الإنسان المعصية، ولم يشأ منه الطاعة، فَلِمَ يحاسبُه على ما يشاء منه؟
ولِمَ لم يشأ منه الطاعة كما شاءها من غيره؟
والجواب أن يُقال: إن الهداية والإضلال والطاعة والمعصية بمشيئة الله، والإنسان سبب في وقوعها، ومسؤول عنها؛ فذلك من الأصول القطعية عند أهل السنةِ، والقاعدةُ التي يتفق عليها العقلاء أن القطعيات لا تتناقض في نفسها وإن بدت لنا متناقضة؛ لقصور إدراكنا؛ فحسبنا أن نقف عند هذه القطعيات، ونؤمن بها جميعًا، ولا نرد منها شيئًا ولو لم نحط بها علمًا؛ لأن مسألة القضاء والقدر لها تعلق بصفات الله؛ فالقدر قدرة الله، وقدرة الله كعلمه وحكمته وإرادته وسائر صفاته من جهة كونها معلومة المعنى مجهولة الكيفية؛ فكما أننا نعجز عن الإحاطة بصفات الله فكذلك نعجز عن الإحاطة بسر القدر الإلهي، ومن أسراره أن أضل الله وهدى، وأسعد وأشقى، وأمات وأحيا، وغير ذلك؛ لحكمة يعلمها ولا نعلمها، وهو العليم الحكيم.
ولا يضير المرء في إيمانه عجزه عن معنى الإحاطة بسر القدر؛ لأن ذلك ليس بمستطاع، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
ولكن الذي يضيره أن يبني على عجزه أحكامًا، ويتصرف على غير هدى، ويرد بعض الأصول القطعية، ويضرب النصوص بعضها ببعض.