فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 246

ومما لا نزاع فيه بين العقلاء أن للمالك أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولا يلزم ليكون تصرفه سليمًا أن يُدرك غيرُه الحكمة في تصرفاته، وليس لأحد حق الاعتراض عليه في تصرفه إذا لم يعلم السر في أفعاله.

ولا نزاع بينهم أن البارع في علم من العلوم، أو فن من الفنون، أو صنعة من الصنائع أنه قد يعمل أعمالًا لا تدركها عقول الذين لم يقفوا على أسرار ذلك العلم، أو الفن، أو الصنعة.

ولا يعني عدمُ إدراكهم لذلك القدحَ في ذلك العلم، أو الفن، أو الصنعة.

هذا بالنسبة للبشر القاصرين في علمهم وحكمتهم، فكيف بأحكم الحاكمين، وبمن وسع كل شيء رحمة وعلمًا؟!

فإن حاولنا كشف ما طُوي عنا من أسرار القدر مما استأثر الله بعلمه كان ذلك تكلفًا بلا نتيجة، ومن حاول إدراك غير المستطاع فنتيجة محاولته أن يكون (1) :

كناطحٍ صخرةً يومًا ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنَه الوعلُ (2)

قال شيخ الإسلام ×: =والله _ تعالى _ غني عن العباد، إنما أمرهم بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم، فهو محسن إلى عباده بالأمر لهم، محسن لهم بإعانتهم على الطاعة.

ولو قُدِّر أن عالمًا صالحًا أمر الناس بما ينفعهم، ثم أعان بعض الناس على فعل ما أمرهم به، ولم يعن آخرين لكان محسنًا إلى هؤلاء إحسانًا تامًَّا، ولم يكن ظالمًا لمن لم يحسن إليه.

وإذا قدر أنه عاقب المذنب العقوبة التي يقتضيها عدله وحكمته لكان _أيضًا_ محمودًا على هذا وهذا.

وأين هذا من حكمة أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين؟! فأمره لهم إرشاد، وتعليم، وتعريف بالخير، فإن أعانهم على فعل المأمور كان قد أتم النعمة على المأمور، وهو مشكور على هذا وهذا.

وإن لم يعنه وخذله حتى فعل الذنب كان له في ذلك حكمة أخرى+ (3) .

(1) انظر العقل والنقل عند ابن رشد، د.محمد أمان ص56_57.

(2) ديوان الأعشى الكبير ميمون بن قيس ص61

(3) منهاج السنة 3/38، وانظر الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة ص34_36، ورسالة الثغر لأبي الحسن الأشعري ص85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت