فهرس الكتاب
ثم إن قولهم: إن الحية مأمورة لا شك في ذلك، أما ألا نحترز منها؛ بحجة أنها مأمورة فهذا كلام باطل مخالف لتمام الإيمان بالقدر، لأن من تمامه الأخذَ بالأسباب، والتحرزُ من الحية من جملة الأسباب التي أمرنا بتعاطيها والأخذ بها، وإلا فكل شيء بأمر الله فهل نترك الأسباب بالكلية؟
المبحث الثالث
1_ الجزم بفعل الشيء أو وقوعه في المستقبل دون تقييد ذلك بالمشيئة: كحال من يقول: سأفعل كذا وكذا في يوم كذا وكذا، دون أن يقيد ذلك بالمشيئة.
فهذا خطأ ينبغي للمسلم تجنبه، لقوله _ تعالى _: [وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ] سورة الكهف: 23_24.
وقل مثل ذلك في حق من يجزم بوقوع أمر ما في يوم كذا وكذا في المستقبل دون تقييد ذلك بالمشيئة.
2_ قلة اليقين بأن العاقبة للتقوى والمتقين: فهناك من إذا شاهد ما عليه المسلمون من الضعف والتمزق، والتشتت والتفرق، ورأى تسلط أعدائهم عليهم، ونكايتهم بهم _ أيس من نصر الله، وقنط من عز الإسلام، واستبعد أن تقوم للمسلمين قائمة، وظن أن الباطل سيدال على الحق إدالة دائمة مستمرة يضمحل معها الحق.
فهذا الأمر جد خطير، وهو مما يعتري النفوس الضعيفة، التي رق إيمانها، وقل يقينها.
فهذا مما ينافي الإيمان بالقدر، وهو دليل على قلة اليقين بوعد الله الصادق، والتفاتٌ إلى الأمور المحسوسة دون نظر إلى عواقب الأمور وحقائقها.
وإلا كيف يظن هذا الظن والله _ عز وجل _ قد كتب النصر في الأزل، وسبقت كلمته بأن العاقبة للتقوى وللمتقين، وأن جنده هم الغالبون، وهم المنصورون، وأن الأرض يرثها عباده الصالحون؟
فمن ظن تلك الظنون السيئة فقد ظن بربه السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بجلاله، وكماله، وصفاته، ونعوته؛ فإن حمده، وعزته، وحكمته، وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة والغلبة للمشركين.