فهرس الكتاب
فمن ظن ذلك فما عرفه، ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته؛ فلا يجوز في حقه _ عز وجل _ لا عقلًا ولا شرعًا أن يظهر الباطل على الحق، بل إنه يقذف بالحق على الباطل فإذا هو زاهق (1) .
أما ما يشاهد من تسلط الكفار واستعلائهم _ فإنما هو استعلاء استثنائي، وذلك استدراجٌ وإملاءٌ من الله لهم، وعقوبة للأمة المسلمة على بعدها عن دينها.
ثم إن سنة الله ماضية فـ [مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ] سورة النساء: 123، وهذه الأمة تذنب، فتعاقب بذنوبها عقوبات متنوعة منها ما مضى ذِكْرُه؛ كي تعود إلى رشدها، وتؤوب إلى ربها، فتأخذ حينئذ مكانها اللائق بها.
ثم إن هذه الأمة أمة مرحومة تعاقب في هذه الدنيا، حتى يخف العذاب عنها في الآخرة، أو يغفر لها بسبب ما أصابها من بلاء.
3_ التألي على الله _ عز وجل _: والتألِّي على الله هو الإقسام عليه _عز وجل_ كأن يقول شخص لآخر: والله لا يغفر الله لفلان.
فهذه المقولة قد تصدر من بعض من ينتسب للخير، ممن قل فقهه وعلمه، فتراه _ مثلًا _ يحرص على دعوة عاصٍ من العصاة، فإذا رأى منه إعراضًا عن النصح، وصدودًا عن الخير، وتماديًا في المعاصي أيس منه، وأقصر عن نصحه، وربما قال: والله لن يغفر الله لك، هكذا بصيغة الجزم.
وهذه المقولة خطيرة، ولها آثار وخيمة؛ فهي سبب لحبوط العمل، وهي مما يتنافى مع الإيمان بالقدر؛ ذلك أن الهداية بيد الله، والخواتيم علمها عند الله.
فمن ذا الذي أخبر هذا القائل بأن الله لا يغفر لذلك العاصي؟ وما الذي سوَّغ له أن يحجر رحمة الله _ عز وجل _؟!
(1) انظر كلامًا عظيمًا في هذا المعنى في زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم 3/218_241، وانظر حاشية ابن قاسم على كتاب التوحيد ص360_361.