فهرس الكتاب
هذا وقد أرشدنا النبي"إذا أخذنا بالأسباب، وحرصنا على ما ينفعنا، وأتت الأمور على خلاف ما نريد _ ألا يقول أحدنا: =لو أني فعلت كذا وكذا+ ولكن يقول: =قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان+ (1) ."
ففي هذا الحديث ملمح من ملامح الكمال في الشريعة؛ فالإسلام ينأى بالمسلم أن يسترسل مع أحزانه، وَيَرْبَأ به أن يعيش على اجترار ماضيه؛ لأن ذلك لا يجدي عليه شيئًا، كما أنه يرشده إلى ما هو أنفع وأولى وهو التعزِّي بالقدر، والسعي فيما ينفع مستقبلًا.
3_ قول كلمة =ليت+ كذلك: وهي من جنس كلمة =لو+ فهما لا يجديان بعد حصول الأمر المقدر، بل حينئذ التسليم لله، والإيمان به، والتعزي بقدره، مع حسن الظن به، والرغبة في ثوابه؛ فذلك عين الفلاح في الدنيا والآخرة (2) .
وصدق من قال:
ليت شعري وأين مني ليت ... إن ليتًا وإن لوًّا عناء (3)
وما أجمل قول نابغة جعدة (4) :
خليليَّ عوجا ساعةً وتَهَجَّرا ... ولُومَا على ما أحدث الدهرُ أو ذرا
ولا تجزعا إن الحياة قصيرةٌ ... فَخِفَّا لروعات الحوادث أو قِرا
وإن جاء أمرٌ لا تطيقان دفْعَه ... فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا
ألَمْ تريا أن الملامة نَفْعُها ... قليلٌ إذا ما الشيءُ ولى وأدبرا
(1) رواه مسلم (2664) .
(2) انظر تيسير العزيز الحميد ص662.
(3) بهجة المجالس لابن عبدالبر 1/127.
(4) هو قيس بن عبدالله بن عُدَس بن ربيعة الجعدي، شاعر من المعمرين اشتهر في الجاهلية، سُمي النابغة لأنه أقام ثلاثين سنة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله، وكان ممن هجر الأوثان، ونهى عن الخمرقبل ظهور الإسلام، وفد على النبي"فأسلم، وأدرك صفين فشهدها مع علي، ثم سكن الكوفة، فسيَّره معاوية إلى أصبهان مع أحد ولاتها، فمات فيها وقد كفَّ بصره، وجاوز المائة، وكان ذلك نحو سنة 50هـ. انظر الأعلام 5/207، والنابغة الجعدي حياته وشعره د.خليل إبراهيم أبو ذياب."