فهرس الكتاب
فكأنه بحسده هذا يقسم رحمة ربه بين العباد، وكأنه يقترح على ربه ما يراه ملائمًا في نظره! فهو بصنيعه هذا يقدح في حكمة الله _ عز وجل _ وَوَضْعِهِ الأشياء في مواضعها اللائقة بها؛ فمن تمام الإيمان تركُ الحسدِ، والتسليمُ لله في جميع الأمور، فالمؤمن الحق لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، لإيمانه بأن الله هو الذي رزقهم، وقدر لهم معايشهم؛ فأعطى من شاء لحكمة، ومنع من شاء لحكمة، وأنه حين يحسد غيره إنما يعترض على قدر الله، ويقدح في حكمته (1) .
ولهذا قيل: =من رضي بقضاء الله لم يسخطه أحد، ومن قنع بعطائه لم يَدْخُلْهُ حسد+ (2) .
6_ تمني الموت: فهناك من إذا ابتلي ببلاء، واشتدت به اللأواء تمنى الموت؛ ليتخلص _ بزعمه _ مما ألمَّ به! كما قال أحدهم:
ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه
فهذا خطأ؛ فلا يجوز للمؤمن أن يتمنى الموت؛ فإن كان لابد متمنيًا للموت فليدعُ بالدعاء المأثور في ذلك.
قال": =لا يتمنين أحدكم الموت؛ لضرٍّ نزل به، فإن كان لابد متمنيًا للموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي+ (3) ."
قال ابن حجر × في شرح الحديث: =لأنَّ في التمني المطلق نوعَ اعتراض، ومراغمة للقدر المحتوم، وفي هذه الصورة المأمور بها نوع تفويض وتسليم للقضاء+ (4) .
قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي × في شرح هذا الحديث: =هذا نهي عن تمني الموت للضر الذي ينزل بالعبد، من مرض، أو فقر، أو خوف، أو وقوع في شدة ومهلكة، أو نحوها من الأشياء؛ فإن في تمني الموت لذلك مفاسدَ، ومنها: أنه يؤذن بالتسخط والتضجر من الحالة التي أصيب بها، وهو مأمور بالصبر، والقيام بوظيفته، ومعلوم أن تمني الموت ينافي ذلك.
(1) انظر كلامًا جميلًا في هذا المعنى في مجموع الفتاوى 10/111_130.
(2) أدب الدنيا والدين للماوردي ص269.
(3) رواه البخاري (6351 و 5671) ، ومسلم (2680) .
(4) فتح الباري 10/128.