فهرس الكتاب
ومما يوضح الفرق بينهما أن ضرورة حدوث الأشياء عند الجبريين ضرورة متعالية بمبدأ أعلى منها يسير كما يشاء، وهو قضاء الله وقدره على حين أن هذه الضرورة في نظر الحتميين كامنة في الأشياء سارية فيها وهي الطبيعة بعينها.
وإذا كان بعض الفلاسفة الحتميين يثبتون الحرية الإنسانية فَمَرَدُّ ذلك إلى محاولتهم التوفيق بين حتمية الحوادث النفسية وتلقائية الموجود العاقل (1) .
وفيما يلي ذكر لبعض أقوال أكابر الفلاسفة والمفكرين الغربيين المتأخرين.
1_ ديكارت (2) : يقول: إن الجسد محكوم بقوانين الطبيعة كسائر الأجسام المادية، ولكن الروح طليقة من هذه القوانين، وعليها أن تجاهد الجسد، وتلتمس العون من الله بالمعرفة والقداسة في هذا الجهاد.
ومن تلاميذه من يقول: إن كلَّ شيء حُرٌّ في كل فعل من أفعاله، لكن الله يعلم منذ الأزل ما سيفعله كل أنسان؛ لأنه عليم خبير (3) .
2_ سبنيوزا (4) : يرى أنَّ كلَّ شيءٍ يقع في الدنيا فلابد أن يقع كما وقع، ولا يتخيل العقل وقوعه على نحو آخر؛ لأنَّ كلَّ شيء يصدر من طبيعة الجوهر السرمدي (5) _ ويعني به الله _.
وما في الدنيا من خير وشر على السواء هو من إرادة الله، ولكنه يبدو لنا شرًا؛ لأننا محدودون، وننقص من ناحية، ونتلقى الشر من حيث ننقص.
(1) انظر المعجم الفلسفي د.جميل صليبا 1/144، ومقدمة السايح والجميلي ص20.
(2) هو الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1556_1650) عالم رياضي، ابتكر الهندسة التحليلية ثم حاول تطبيق المنهج الرياضي على الفلسفة، أقام فلسفته على الشك المنهجي. انظر كواشف زيوف لعبدالرحمن الميداني ص365.
(3) انظر مقدمة السايح والجميلي ص17.
(4) هو باروخ سبنيوزا (1632_1677) ولد بأمستردام من أسرة يهودية، وضع فلسفته في =الرسالة الموجزة في الله والإنسان وشعادته+ . انظر تاريخ الفلسفة الحديثة، يوسف كرم ص106.
(5) لا يخفى على القارئ عدم صحة هذا الإطلاق على الله _ جل وعلا _.