فهرس الكتاب
هذا هو المشهور من الأقوال في بداية القول بالقدر، ويشهد على ذلك ما جاء في قصة الحديث المشهور _ حديث جبريل _ في صحيح مسلم، فقد روي عن يحيى بن معمر قال: =كان أول من قال في القدر معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبدالرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله"فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبدالله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد؛ فاكتنفته أنا وصاحبي: أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سَيَكِل الأمر إلي، فقلت: أبا عبدالرحمن إنه قد ظهر قِبَلنا ناس يقرؤون القرآن، ويتَقَفَّرون (1) العلم (وذكر من شأنهم) وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأنَّ الأمرَ أُنف.... + الحديث (2) ."
وهذا يفيد أن معبدًا هو أول من قال بالقدر، وقبل ذلك تبين من كلام الأوزاعي أن معبدًا أخذه عن النصراني سنسويه، أو سيسويه، أو سوسن.
وقد يكون من المحتمل أن أساس الفكرة كان عند ذاك الرجل النصراني الذي تظاهر بالإسلام، ولكنه لم يستطع أن يجاهر بها؛ لعدم ثقة الناس به، فتلقاها عنه معبد ونشرها، فاشتهرت عنه (3) .
فهذا هو القول الأرجح في نشأة القول بالقدر.
وهناك قولان آخران في هذا الشأن:
أحدهما: أن أول ما حدث القول بالقدر بالحجاز قبل معبد الجهني، وأن ذلك وقع لما احترقت الكعبة لما كان عبدالله بن الزبير _ رضي الله عنهما _ محصورًا بمكة؛ فقال أناس: احترقت بقدر الله _ تعالى _ وقال أناس: لم تحترق بقدر الله (4) .
(1) يتقفرون العلم: يعني يطلبونه، ويتتبعونه. انظر غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام 2/466_467.
(2) مسلم (8) .
(3) انظر القضاء والقدر للمحمود ص164.
(4) انظر الإيمان لابن مندة 1/127_132، والفرق بين الفرق للبغدادي ص117، وإكمال المُعْلم، ومكمل الإكمال، وهما شرحان لصحيح مسلم 1/5، والإيمان لابن تيمية ص368، وتاريخ المذاهب الإسلامية للشيخ محمد أبو زهرة 1/112_114، والقضاء والقدر للمحمود ص66.