فهرس الكتاب
والقول الآخر: أن أول من نادى بالقدر في الشام عمرو المقصوص وكان عمرو هذا معلمًا لمعاوية الثاني، وهو معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فأثر فيه كثيرًا، فاعتنق أقواله في القدر، حتى إنه لما تولَّى الخلافة كان عمرو هذا هو الذي أثر فيه؛ فاعتزلها حتى مات، ووثب بنو أمية على عمرو المقصوص، وقالوا: أنت أفسدته، ودفنوه حيًا.
وهذا القول _ كما يقول د. عبدالرحمن المحمود حفظه الله _: =ضعيف؛ لأن معاوية بن يزيد كان رجلًا صالحًا، وعمرو المقصوص لم أجد مَنْ ذكر قصته من المؤرخين غير ابن العبري+ (1) .
وهكذا نشأ القول بالقدر، وضل بسببه فرق شتى، وكان منشأ ضلالهم كثرة الجدل، وتقديم العقل على النقل، والنظر إلى النصوص بعين عوراء.
وكردَّة فعل للقدرية النفاة ظهر أناس غلو في الإثبات؛ حيث نشأ في آخر عهد بني أمية أقوام قالوا بالجبر، وزعموا أنَّ العبد ليس له خيار فيما يأخذ أو يدع، وبعضهم يثبت للعبد قدرة غير مؤثرة.
وأول من أظهر هذا القول الشنيع: الجهم بن صفوان (2) ، وتفرع عن هذه البدعة أقوال شنيعة، وضلال كبير (3) .
هذه هي بدايات القول بالقدر، وقبل الدخول في تفاصيل أقوال الفرق في القدر يحسن تحديد الخلاف في القدر بإيجاز، فالخلاف فيه يدور حول أمرين:
أحدهما: ما يتعلق بالله _ تعالى _ وذلك في مراتب القدر الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق التي يثبتها أهل السنة لله _ تعالى _.
(1) القضاء والقدر للمحمود ص166، وانظر مختصر الدول لمؤلفه غريغوريوس الملطي المعروف بابن العبري ص111.
(2) هو أبو محرز الجهم بن صفوان الراسبي من موالي بني راسب السمرقندي رأس الجهمية وإليه تُنسب، له آراؤه المعروفة في الصفات والقدر، كان صاحب مجادلات ومخاصمات. قتله سلمة بن أحوز سنة 288هـ. انظر الأعلام للزركلي 2/138.
(3) انظر القضاء والقدر د. عمر الأشقر ص23.