فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 246

ولكن ذلك لا يدل على استقلاله في الفعل؛ فالزعم بأنَّ ذلك يدل على أن لا يكون الله هو الخالق لأفعال العباد هو الباطل الذي نرده ونمنعه؛ لأنه لا تعارض بين الأمرين؛ فالعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم؛ فهي من الله خلق وإيجاد، وهي منهم فعل وكسب.

ولهذا يذمون على القبيح ويعاقبون، ويحمدون على الحسن ويثابون.

3_ أما استدلالهم بالآيات التي تدل على ترتيب الجزاء على الأعمال _ فإن ذلك قد ضلت فيه القدرية والجبرية، وهدى الله له أهل السنة؛ فإن الباء المنفية في قوله":=واعلموا أنه لن ينجوَ أحدٌ منكم بعمله+ (1) غير الباء المثبتة في قوله _تعالى_: [جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] سورة السجدة:17."

فالأولى المنفية هي باء العوض والثمنية وهي أن يكون العمل كالثمن لدخول الجنة كما زعمت المعتزلة؛ حيث يرون أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله.

وليس الأمر كذلك، بل برحمة الله وفضله.

والثانية المُثْبَتة هي الباء السببية؛ فالعاملون يدخلون الجنة بسبب أعمالهم، والله _ عز وجل _ خالق الأسباب والمسببات؛ فرجع ذلك كله إلى محض فضله ورحمته.

4_ وأما استدلالهم بقوله _ تعالى _ [صُنعَ اللهِ الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ] سورة النمل:88، على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله بحجة ما يقع منهم من الفساد والمخالفة فباطل؛ ذلك أن معنى الآية أن الجبال صنع الله _تعالى_ وهو _ سبحانه _ أتقن كلَّ شيء، أي أتقن كلَّ ما خلق، وأحكمه، وأودع فيه من الحكمة ما أودع؛ [إِنَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَفْعَلُوْن] سورة النمل:88، تعليلٌ لما قبلها من كونه صنع ما صنع، وأتقن كلَّ شيء.

ومعناها: أنه عليم بما يفعل عباده من خير وشر، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء.

أما ما يقع من الكفر والمعاصي والقبائح فقد قدرها _ سبحانه _ أزلًا، ولو شاء ألا توجد ما وجدت.

(1) أخرجه مسلم بألفاظ متقاربة، وبوب عليه بقوله: =باب لن يدخل أحدٌ الجنة بعمله، بل برحمة الله _ تعالى _ +.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت