فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 246

وبالجملة فإنَّ مذهب القدرية باطل في الشرع، والعقل والفطر السوية؛ ولهذا لم يستطع منطق القدرية أن يقف في مجال الحجاج مع عوام أهل السنة فضلًا عن علمائهم (1)

(1) ولهذا تذكر كتب العقيدة وغيرها قصصًا ومحاورات مع القدرية ومما يذكر من القصص في هذا الصدد ما يلي:

أ_ قال الطوفي ×: =قال عيسى بن يونس: حدثني جار لي يقال له واصل، قال: اختصم قدري وحروري ومرجئ، فقال كل منهم: ديني أصوب من دينكما؛ فتراضوا أن يحكم بينهم أول من يستقبلهم؛ فاستقبلهم أعرابي على قعود له، فذكروا له اختلافهم في أديانهم، وقالوا له: قد تراضينا بأول من نلقاه أن يحكم بيننا؛ فكنت أنت.

فأناخ الأعرابي بعيره، ثم أخذ كساءًا كان تحته، فطواه، ثم جلس عليه، وقال لهم: اجلسوا بين يدي، ثم قال للحروري: ما تقول أنت؟ قال: أزعم أن كل من عصى الله _ عز وجل _ فقد كفر، واسْتُحلَّ دمُه.

فقال له: أنت رجل سوء؛ تَحْظُر على العباد ما وسع الله عليهم من التوبة، تَنَحَّ.

ثم قال للقدري: ما تقول أنت؟ قال: أزعم أن ما عمل العباد من خير فمن الله، وما عملوا من شر فليس لله _ تعالى _ فيه قضية ولا مشيئة.

فقال: أنت أكفر من هذا؛ تزعم أن الله _ تعالى _ يريد شيئًا من العباد فلا يعملونه، ويعمل العباد شيئًا لا يريده؛ تَنَحَّ.

ثم للمرجئ: ما تقول أنت؟ قال: أزعم أنَّ من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن لا يضره عَمِلَ أو لم يعمل.

= فقال الأعرابي: ما في الثلاثة أكفر منك؛ حيث تشهد لهذين أنهما مؤمنان+.

ب_ يروى أن أعرابيًا أضل ناقته، فجاء إلى عمرو بن عبيد _ وهو من أكابر القدرية _ فقال: أيها الشيخ: إن ناقتي قد سرقت؛ فادع الله أن يردها علي.

فرفع عمرو بن عبيد يديه، وقال: =اللهم إن ناقة هذا سُرِقتْ ولم تُرِدْ أن تسرق؛ فأمسك الأعرابي يديه، وقال: الآن ضاعت ناقتي يا شيخ، قال له: ولِمَ؟ قال: لأنه إذا أراد ألا تسرق فسرقت فلا آمن أن يريد رَدَّها فلا تُرَدْ؛ فوجم عمرو بن عبيد، ولم يجد جوابًا+. شرح جواب ابن تيمية في قصيدته التائية في القدر للطوفي، مخطوط ص6، وانظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة 4/739، وشرح العقيدة الطحاوية ص250، والقصيدة التائية في القدر لابن تيمية شرح وتحقيق محمد بن إبراهيم الحمد ص48_50.

جـ _ وقال ابن قتيبة × في تأويل مختلف الحديث ص78:=بلغني أنَّ رجلًا من أصحاب الكلام قال لرجل من أهل الذمة: ألا تُسْلِم يا فلان! فقال: حتى يريد الله _ تعالى _ فقال: قد أراد الله، ولكنَّ إبليس لا يَدَعُك، فقال الذمي: فأنا مع أقواهما+.

د _ دخل القاضي عبدالجبار الهمذاني _ أحد شيوخ المعتزلة _ على الصاحب بن عباد، وعنده أبوإسحاق الاسفراييني _ أحد أئمة السنة _ فلما رأى الأستاذ قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال الأستاذ: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فقال القاضي: أيشاء ربُنا أن يُعصى؟ قال الأستاذ: أيعصى ربُنا قهرًا؟ قال القاضي: أرأيت إن منعني الهدى، وقضى عليَّ بالردى أحسن إليَّ أم أساء؟ قال الأستاذ: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فهو يختص برحمته من يشاء، فبُهت القاضي عبدالجبار+، انظر هامش شرح العقيدة الطحاوية 251، وانظر: دفع إيهام الاضطراب 286_287، وانظر كتاب القدر للفريابي ففيه قصص ومحاورات كثيرة مع القدرية، وانظر حزَّ الغلاصم في إفحام المخاصم عند جريان النظر في أحكام القدر لابن الحاج القفطي ص31، وانظر تاريخ المذاهب الإسلامية للشيخ محمد أبو زهرة 1/117_119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت