فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 246

المبحث الثالث

مناقشة قول الجبرية

1_ أن الآيات التي استدلوا بها على أنَّ الله خالق كلِّ شيء _ دلالتها حق.

ولكن أنَّى لهم أن يثبتوا أن العبد غير قادرٍ ولا مريدٍ ولا فاعلٍ بمشيئته وقدرته ومن أين يفهم من الأدلة التي ساقوها أن العبد ليس هو الفاعل حقيقة، أو أن أفعاله ليست قائمة به؟!

فليس لدى الجبرية دليل صحيح ينفي أن يكون العباد فاعلين لأفعالهم، بل غاية أدلتهم أنها تثبت أن الله خالق، وهذا حق لا يُنكر.

2_ أن استدلالهم بآيات المشيئة، وأنها تثبت المشيئة لله وحده _ حق.

ولكن الآيات نفسها وغيرها كثير تدل على إثبات المشيئة للعباد؛ ولذلك استدل بها المعتزلة على مذهبهم.

وبناء على ذلك فكل من الجبرية والمعتزلة ترد أدلتهم أدلة الطرف الآخر، وبمجموع تلك الأدلة يتبين الحق، وهو إثبات المشيئة للعباد، وكونها واقعة بمشيئة الله تابعة لها.

3_ أما استدلالهم بقوله _ تعالى _: [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] سورة الأنفال:17، وما جرى مجرى هذه الآية، وزَعْمُهم أن ذلك نص في أنَّ الإنسان لا قدرة له ولا إرادة _ فذلك جهلٌ وضلال.

فقوله _ تعالى _: [وَمَا رَمَيْتَ ....] الآية، خطاب للمؤمنين في وقعة بدر؛ حيث أنزل الله ملائكته فقتلوا أعداءه، فلم ينفرد المسلمون بقتلهم، بل قتلتهم الملائكة.

وكذلك لما أخذ الرسول"حفنة من تراب، فرمى بها وجوه المشركين؛ فما من المشركين أحدٌ إلا وأصاب عينيه وفمَه ومنخريه ترابٌ من تلك القبضة، فولوا مدبرين، فقال _ تعالى _ [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ."

فأثبت للرسول الرمي وهو الحذف والإلقاء.

أما إيصال ما رمى إلى الوجوه مع بعدها عنه، وإيصال ذلك إلى وجوههم جميعًا _ فلم يكن من فعله، ولكنَّه فعلُ الله وحده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت