فهرس الكتاب
4_ أما دليلهم العقلي فهو مردود بأن تعلق علم الله وإرادته بأفعال العباد لا يجعلهم مجبورين في أفعالهم؛ لأن علمَ الله أزلًا بأفعالهم، وبأنَّ العبدَ يختارها _ ليس سلبًا لاختيار العبد، وإنما هو محقِّق لاختياره.
وهذا معلوم عند كافة العقلاء.
كما أنَّ تعلقَ قدرته _ سبحانه _ بوجودها لا ينافي أن تكون أفعال العباد واقعة بقدرتهم، وأنهم الفاعلون لها.
وبالجملة فكما أنَّ مذهب القدرية المعتزلة مخالفٌ للشرع والعقل والفطرة فكذلك مذهب الجبرية (1) .
ولهذا وردت حكايات عن الجبرية تبين أن المعاند في القدر، والقائل في الجبر مغلوب، وحجته داحضة، بل ربما صار أضحوكة لمن قرأ عنه، أو سمع له (2)
(1) انظر في مناقشة قول الجبرية في القدر إلى شرح العقيدة الطحاوية ص436_438، وانظر القضاء والقدر للمحمود ص347_354، وانظر منهج الإمام ابن أبي العز الحنفي وآراؤه في العقيدة ص320.
(2) قال ابن القيم × في كتاب طريق الهجرتين ص157_158، متحدثًا عن بعض أحوال من يقولون بالجبر: =صعد رجل على سطح دار له، فأشرف على غلام يفجر بجاريته، فنزل، وأخذهما؛ ليعاقبهما، فقال الغلام: إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك.
فقال: لَعِلْمُك بالقضاء والقدر أحب إلي من كلِّ شيء، أنت حرٌّ لوجه الله!!
ورآى آخر يفجر بامرأته، فبادر؛ ليأخذه فهرب، فأقبل يضرب المرأة، وهي تقول: القضاء والقدر.
فقال: يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا؟
فقالت: أَوَتركتَ السنة، وأخذت بمذهب ابن عباس؟ فتنبه، ورمى بالسوط من يده، واعتذر إليها، وقال: لولاكِ لضللتُ!!+.
هذا وقد ذكر الشيخ عبدالرحمن السعدي × في كتابه الدرة البهية عددًا من الأمثلة التي تكشف مسألة القضاء والقدر، ومن تلك الأمثلة: قصة الرجل الجبري، حيث قال فيها: =كان رجل قد غلا في الجبر والقدر غلوًَّا عظيمًا، فكان يعتذر بالقدر عند كل جليل وحقير، حتى آلت به الحال إلى الاستهتار، وانتهاك أصناف المعاصي، وكلما نُصح وليم على أفعاله، جعل القدر حجة له في كل أحواله
وكان له صاحب يعذله، وينصحه عن هذه المقالة التي تخالف العقل، والنقل، والحس، ولا يزيده العذل إلا إغراءً، وكان صاحبه ينتظر وينتهز الفرصة في إلزامه بأمور تختص به، وتتعلق.
وكان هذا الجبري صاحبَ ثروة، له أموال منوعة، وقد وكل عليها الوكلاء، والعَمَلَة، فصادف في وقت متقارب أن جاءه صاحبُ ماشيته، فقال: إن الماشية هلكت، وتلفت جميعُها؛ لأني رعيتها في أرض مجدبة، ليس فيها عود أخضر.
فقال له: وعملت ذلك وأنت تعلم أن الأرض الفلانية مخصبة، فما عذرك في ذلك؟ فقال: قضاء الله وقدره، وكان ممتلئًا غضبًا قبل ذلك، فزاد غضبه من هذا الكلام، واستشاط غضبه، وكاد يتقطع من هذا الاعتذار.
وجاءه صاحب البضائع، فقال: إني سلكت هذا الطريق المخوف، فاقتطع المال قُطَّاعُ الطريق، فقال له: كيف تسلك هذا الطريق المخوف _ مع علمك أنه مخوف _ وتترك الطريق الآمن الذي لا تشك في أمنه؟
= فأجابه بمثل جواب الراعي للماشية، وعمل معه الجبري ما عمله مع صاحبه.
ثم جاء وكيله على تربية أولاده، وحفظهم، فقال: إني أمرتهم أن ينزلوا في البئر الفلانية؛ ليتعلموا السباحة فغرقوا، فقال: لم فعلت ذلك وأنت تعلم أنهم لا يحسنون السباحة؟ والبئر المذكورة تعلم أن ماءها غزير؟ فكيف تتركهم ينزلون وحدهم وأنت لست معهم؟
فقال: هكذا قضاء الله وقدره.
فغضب عليه غضبًا لا يشبه الغضب على الأولين، وكاد الغضب أن يقتله، وكل واحد من هؤلاء الذين وكلهم على ما ذكرنا يزداد غضبه عليه إذا قال له: هذا قضاء الله وقدره، فحينئذ قال له صاحبه: يا عجبًا لك يافلان! كيف قابلت هؤلاء المذكورين بهذا الغضب البليغ، ولم تعذرهم حين اعتذروا بالقدر، بل زاد هذا الاعتذار في جرمهم عندك، وأنت مع ربك _ في أحوالك المخجلة _ قد سلكت مسلكهم، وحذوت حذوهم؟!
فإن كان لك عذر _ فهم من باب أولى أعذر وأعذر، وإن كانت أعذارهم تشبه التهكم والاستهزاء فكيف ترضى أن تكون مع ربك هكذا؟!
فانتبه الجبري حينئذٍ، وصحا بعدما كان غارقًا في غلوه، وقال: الحمد لله الذي أنقذني مما كنت فيه، وجعل لي موعظةً وتذكيرًا من هذه الوقائع التي وقعت لي، ولمست فيها غلطي الفاحش، والآن: أعتقد أن ما حصل لي من نعمة الهداية إلى الحق أعظم عندي من هذه المصائب الكبيرة، كما تحققت في قوله _تعالى_: [وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ] البقرة: 216. انظر الدرة البهية شرح القصيدة التائية، في حل المشكلة القدرية ص63_65.