فهرس الكتاب
ثم إن القناعة تضفي على صاحبها عزة النفس، وتحرز له وقارًا في العيون، وجلالة في القلوب، وترفعه عن مواضع الذل والمهانة، فيبقى مهيب الجناب، موفور الكرامة، مرفوع الرأس، مرتاح الضمير، سالمًا من الهوان، متحررًا من رق الأهواء ومن ذل الطمع، فلا ينطلق في مجاري التملق والمداهنة، ولا يسير إلا وَفْقَ ما يمليه عليه إيمانه، والحق الذي يحمله (1) .
وبالجملة فالذي يحسم مادة رجاء المخلوقين من القلب هو الرضا بقسم الله _عز وجل_ فمن رضي بحكم الله وقسمه لم يبق لرجاء الخلق موضع في قلبه.
ومن جميل ما يذكر في هذا الشأن ما ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ÷قوله:
أفادتني القناعة كلَّ عزٍّ ... وهل عزٌّ أعزُّ من القناعهْ
فَصَيِّرْها لنفسِك رأسَ مالٍ ... وصَيِّر بعدها التقوى بضاعهْ
تَحُزْ ربحًا وتَغْنى عن بخيلٍ ... وتنعم في الجنان بصبر ساعهْ (2)
وقال الشافعي ×:
رأيت القناعة كنز الغنى ... فصرت بأذيالها مُمْتَسك
فلا ذا يراني على بابه ... ولا ذا يراني به منهمك
وصرت غنيًا بلا درهمٍ ... أمُرُّ على الناس شبه الملك (3)
(1) انظر رسائل الإصلاح 1/9_12 و 124_125.
(2) ديوان الإمام علي ص121_122.
(3) ديوان الإمام الشافعي ص27.