فهرس الكتاب
فلا يدرك هذه الأمور، ولا يجد حلاوتها، ولا يعلم ثمراتها _ إلا من آمن بالله وقضائه وقدره؛ فالمؤمن بالقدر ساكن القلب، مطمئن النفس، مرتاح البال، لا يفكر كثيرًا في احتمال الشر، ثم إن وقع لم يطِرْ له قلبه شَعاعًا، بل يتحمل ذلك بثبات وصبر؛ إن مرض لم يضاعف مرضه بوهمه، وإن نزل به مكروه قابله بجأش رابط فخفف حدته؛ فمن الحكمة ألا يجمع الإنسان على نفسه بين الألم بتوقع الشر، والألم بحصول الشر.
بل يسعد ما دامت أسباب الحزن بعيدة عنه، فإذا حدثت قابلها بشجاعة واعتدال.
وإنك لتجد عند خواصِّ المسلمين من العلماء العاملين، والعباد القانتين المتبعين من سكون القلب وطمأنينة النفس ما لا يخطر ببال، ولا يدور حول ما يشبهه خيال؛ فلهم في ذلك الشأن القِدْحُ المعلى، والنصيب الأوفى (1) .
فهذا أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز × و÷ يقول: =أصبحت وما لي سرورٌ إلا في مواضع القضاء والقدر+ (2) .
وهذا شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن تيمية × يقول: =إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة+ (3) .
ويقول مقولته المشهورة عندما زُجَّ به في غياهب السجن: =ما يصنع أعدائي بي؛ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ أين رُحْت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة+ (4) .
(1) انظر كلامًا جميلًا في هذا المعنى في كتاب الوسائل المفيدة للحياة السعيدة للشيخ عبدالرحمن السعدي ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبدالرحمن السعدي قسم الثقافة الإسلامية 2/481_495.
(2) جامع العلوم والحكم لابن رجب 1/287، وانظر سيرة عمر بن عبدالعزيز لابن عبدالحكم ص97.
(3) الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم ص69، والشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية لمرعي الكرمي الحنبلي ص34.
(4) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/402، وانظر الوابل الصيب ص69.