فهرس الكتاب
وكأن هذا الظَّانَّ يقول ويعتقد أن الإيمان بالقدر هو اعتقاد وجود الأشياء بدون أسبابها الشرعية والقدرية، وهذا نفي للوجود لها، فإنها _كما ذكرنا_ أن الله ربط الكون بعضه ببعض، ونظم بعضه ببعض، وأوجد بعضه ببعض، فهل تقول أيها الظَّان جهلًا: إن الأولى إيجاد البناء من دون بنيان؟ وإيجاد الحبوب، والثمار، والزروع من دون حرث وسقي؟ وإيجاد الأولاد والنسل من دون نكاح؟ وإدخال الجنة من دون إيمان وعمل صالح؟ وإدخال النار من دون كفر ومعصية؟
بهذا الظن أبطلت القدر، وأبطلت معه الحكمة، أما علمت أن الله بحكمته، وكمال قدرته جعل للمسببات أسبابًا؟ وللمقاصد طرقًا ووسائل تحصل بها؟ وقرر هذا في الفطر، والعقول، كما قرره في الشرع، وكما نفذه في الواقع؛ فإنه أعطى كل شيء خلقه اللائق به، ثم هدى كل مخلوق إلى ما خلق له من أصناف السعي، والحركة، والتصرفات المتنوعة، وبنى أمور الدنيا والآخرة على ذلك النظام البديع العجيب الذي شهد _ أولًا _ لله بكمال القدرة، وكمال الحكمة، وأشهد العباد _ ثانيًا _ أن بهذا التنظيم، والتيسير، والتصريف وجّه العاملين إلى أعمالهم، ونشطهم على أشغالهم+.
إلى أن قال ×: =فطالِبُ الآخرة إذا علم أنها لا تنال إلا بالإيمان والعمل الصالح وترك ضدِّها _ جدَّ واجتهد في تحقيق الإيمان، وكثرت تفاصيله النافعة، واجتهد في كل عمل صالح يوصله إلى الآخرة، واجتنب في مقابلة ذلك الكفر، والعصيان، وبادر للتوبة النصوح من كل ما وقع منه من ذلك.
وصاحب الحرث إذا علم أنه لا يُنَال إلا بحرث وسقي وملاحظة تامة جد واجتهد في كل وسيلة تنمي حراثته، وتكملها، وتدفع عنها الآفات.
وصاحب الصناعة إذا علم أن المصنوعات على اختلاف أنواعها، ومنافعها لا تحصل إلا بتعلم الصناعة، وإتقانها، ثم العمل بها جد في ذلك.