فهرس الكتاب
4_ أن القدر سرٌّ مكتوم، لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه، وإرادة العبد لما يفعله سابقة لفعله، فتكون إرادته للفعل غير مبنية على علمٍ بقدر الله، فادعاؤه أن الله قدَّر عليه كذا وكذا ادِّعاءٌ باطل؛ لأنه ادعاءٌ لعلم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، فحجَّته إذًا داحضة؛ إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه.
5_ أننا لو سلَّمنا للمحتج بالقدر على الذنوب لعطَّلنا الشرائع.
6_ لو كان الاحتجاج بالقدر _ على هذا النحو _ حجة لقُبل من إبليس الذي قال: [فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ] سورة الأعراف: 16.
7_ ولو كان حجة هؤلاء مقبولة _ أيضًا _ لتساوى فرعون عدو الله، مع موسى كليم الله _ عليه السلام _.
8_ الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعائب تصحيح لمذهب الكفار، وهذا لازم لهذا المحتج، لا ينفكّ عنه.
9_ ولو كان حجة لاحتجَّ به أهل النار، إذا عاينوها، وظنوا أنهم مواقعوها، كذلك إذا دخلوها، وبدأ توبيخهم وتقريعهم، هل يحتجون بالقدر على معاصيهم وكفرهم؟
الجواب: لا؛ بل إنهم يقولون كما قال _ عز وجل _ عنهم: [رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ] سورة إبراهيم: 44، ويقولون: [رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا] سورة المؤمنون: 106، وقالوا: [لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ] سورة الملك: 10، وقالوا: [لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ] سورة المدثر: 43، إلى غير ذلك مما يقولون.
ولو كان الاحتجاج بالقدر على المعاصي سائغًا لاحتجوا به؛ فهم بأمس الحاجة إلى ما ينقذهم من النار.
10_ ومما يردُّ هذا القول _ أيضًا _ أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه في أمور دنياه حتى يدركه، ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتج على عدوله بالقدر.
فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر؟!