فهرس الكتاب
وإليك مثالًا يوضح ذلك: لو أراد إنسان السفر إلى بلد، وهذا البلد له طريقان أحدهما آمن مطمئن، والآخر كله فوضى واضطراب، وقتل، وسلب، فأيهما سيسلك؟
لا شك أنه سيسلك الطريق الأول، فلماذا لا يسلك في أمر الآخرة طريق الجنة دون طريق النار؟
11_ ومما يمكن أن يرد به على هذا المحتج _ بناء على مذهبه _ أن يقال له: لا تتزوج؛ فإن كان الله قد قضى لك بولد فسيأتيك، وإلا فلن، ولا تأكل ولا تشرب؛ فإن قدَّر الله لك شبعًا وريًَّا فسيكون، وإلا فلن، وإذا هاجمك سَبُعٌ ضَارٍ فلا تفر منه؛ فإن قدَّر الله لك النجاة فستنجو، وإن لم يقدرها لك فلن ينفعك الفرار، وإذا مرضت فلا تتداوَ؛ فإن قدَّر الله لك شفاءً شفيت، وإلا فلن ينفعك الدواء.
فهل سيوافقنا على هذا القول أم لا؟ إن وافقنا علِمْنا فساد عقله، وإن خالفنا علمنا فساد قوله، وبطلان حجته.
12_ المحتج بالقدر على المعاصي شبَّه نفسه بالمجانين، والصبيان؛ فهم غير مكلفين، ولا مؤاخذين، ولو عومل معاملتهم في أمور الدنيا لما رضي.
13_ لو قبلنا هذا الاحتجاج الباطل لما كان هناك حاجة للاستغفار، والتوبة، والدعاء، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
14_ لو كان القدر حجَّة على المعائب والذنوب لتعطلت مصالح الناس، ولعمَّت الفوضى، ولما كان هناك داعٍ للحدود، والتعزيرات، والجزاءات؛ لأن المسيء سيحتج بالقدر، ولما احتجنا لوضع عقوبات للظَلَمة، وقطَّاع الطرق، ولا إلى فتح المحاكم، ونصب القضاة؛ بحجة أن كل ما وقع إنما وقع بقدر الله، وهذا لا يقول به عاقل.
15_ أن هذا المحتج بالقدر الذي يقول: لا نؤاخذ؛ لأن الله كتب ذلك علينا؛ فكيف نؤاخذ بما كُتِبَ علينا؟