فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 246

يُقال له: إننا لا نؤاخذ على الكتابة السابقة، إنما نؤاخذ بما فعلناه، وكسبناه، فلسنا مأمورين بما قدره الله لنا، أو كتبه علينا، وإنما نحن مأمورون بالقيام بما يأمرنا به؛ فهناك فرق بين ما أريد بنا، وما أريد منا، فما أراده الله بنا طواه عنا، وما أراده منه أمرنا بالقيام به.

ومما تجدر الإشارة إليه _ أن احتجاج كثير من هؤلاء ليس ناتجًا عن قناعة وإيمان، وإنما هو ناتج عن نوع هوى ومعاندة؛ ولهذا قال بعض العلماء فيمن هذا شأنه: =أنت عند الطاعة قدري؛ وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به+ (1) .

يعني أنه إذا فعل الطاعة نسب ذلك إلى نفسه، وأنكر أن يكون الله قدر ذلك له، وإذا فعل المعصية احتج بالقدر.

وبالجملة فإن الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، أو ترك الطاعات احتجاج باطل في الشرع، والعقل، والواقع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية × عن المحتجين بالقدر: =هؤلاء القوم إذا أصروا على هذا الاعتقاد كانوا أكفر من اليهود والنصارى+ (2) .

الصورة الجائزة المسوغة للاحتجاج بالقدر:

يسوغ الاحتجاج بالقدر عند المصائب التي تحل بالإنسان كالفقر، والمرض، وفقد القريب، وتلف الزرع، وخسارة المال، وقتل الخطأ، ونحو ذلك؛ فهذا من تمام الرضا بالله ربًَّا، فالاحتجاج إنما يكون على المصائب، لا المعائب، =فالسعيد يستغفر من المعائب، ويصبر على المصائب، كما قال _ تعالى _: [فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ] سورة غافر:55.

والشقي يجزع عند المصائب، ويحتج بالقدر على المعائب+ (3) .

ويوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلًا قتل آخر عن طريق الخطأ، ثم لامه من لامه، واحتج القاتل بالقدر، لكان احتجاجه مقبولًا، ولا يمنع ذلك من أن يؤاخذ.

(1) مجموع الفتاوى 8/107.

(2) مجموع الفتاوى 8/262.

(3) مجموع الفتاوى 8/454، وانظر اقتضاء الصراط المستقيم 2/857_858.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت