فهرس الكتاب
ولو قَتَلَ رجلٌ رجلًا عن طريق العمد، ثم قُرِّع القاتل، ووُبِّخ على ذلك، ثم احتج بالقدر لم يكن الاحتجاج منه مقبولًا؛ ولهذا حجَّ آدم موسى _ عليهما السلام _ كما في قوله"في محاجتهما: =احتج آدم موسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قد قدّر عليَّ قبل أن أخلق؟ فحجَّ آدم موسى+ (1) ."
فآدم _ عليه السلام _ لم يحتج بالقدر على الذنب كما يظن ذلك بعض الطوائف، وموسى _ عليه السلام _ لم يلُمْ آدم على الذنب؛ لأنه يعلم أن آدم استغفر ربه وتاب، فاجتباه ربه، وتاب عليه، وهداه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
ولو أن موسى لام آدم على الذنب لأجابه: إنني أذنبت فتبت، فتاب الله عليَّ، ولقال له: أنت يا موسى _ أيضًا _ قتلت نفسًا، وألقيت الألواح إلى غير ذلك، إنما احتج موسى بالمصيبة فحجَّه آدم بالقدر (2) .
=فما قدر من المصائب يجب الاستسلام له؛ فإنه من تمام الرضا بالله ربًَّا، أما الذنوب فليس لأحد أن يُذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب، فيتوب من المعائب، ويصبر على المصائب+ (3) .
وممن يسوغ له الاحتجاج بالقدر التائبُ من الذنب، فلو لامه أحد على ذنب تاب منه لساغ له أن يحتج بالقدر.
(1) أخرجه مسلم (2652) .
(2) انظر مجموع الفتاوى 8/178، ومنهاج السنة 3/78_81، والاحتجاج بالقدر لابن تيمية ص18_22، والفرقان لشيخ الإسلام ص103_105، والتدمرية ص230_231، والآداب الشرعية لابن مفلح 1/258_260، والبداية والنهاية لابن كثير 1/83_87، وإيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة للصنعاني ص377_395.
(3) شرح الطحاوية ص147، وانظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية 5/163، والتدمرية ص231، وانظر المسائل التي لخصها شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب من فتاوى ابن تيمية ص34.