فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 246

وإنما الشر يدخل في مخلوقاته، ومفعولاته، فالشر في المقضي، لا في القضاء، ويكون شرًَّا بالنسبة إلى محل، وخيرًا بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيرًا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شر من وجه آخر، بل هو الغالب، وهذا كالقصاص، وإقامة الحدود، وقتل الكفار؛ فإنه شرٌ بالنسبة إليهم لا من كل وجه، بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر، والنكال، ودفع الناس بعضهم ببعض.

وكذلك الأمراض _ وإن كانت شرورًا من وجه _ فهي خيرٌ من وجوهٍ عديدة.

والحاصل أن الشر لا يُنسب إلى الله _ تعالى _ ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن النبي"كان يثني على ربه بتنزيهه عن الشر بدعاء الاستفتاح في قوله: =لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت+ (1) ."

قال الإمام الصابوني × في معنى هذا الحديث:=ومعناه _والله أعلم_ والشر ليس مما يُضاف إلى الله إفرادًا أو قصدًا حتى يُقال: يا خالق الشر، ويا مقدر الشر وإن كان الخالق والمقدر لهما جميعًا؛ لذلك أضاف الخضر _ عليه السلام _ إرادة العيب إلى نفسه فقال _فيما أخبر الله عنه في قوله_: [أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا] سورة الكهف:79.

ولمَّا ذكر الخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله _ عز وجل _ فقال: [فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ] سورة الكهف: 82.

ولذلك قال مخبرًا عن إبراهيم _ عليه السلام _ أنه قال: [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] سورة الشعراء: 80.

فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه، وإن كان الجميع منه+ (2) .

(1) رواه مسلم (771) .

(2) عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ص285.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت