فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 246

وإن أُريد به الأذى اللاحق بالمحل بسبب ذنب ارتكبه _ فإيجاد الله للعقوبة على ذنب لا يُعد شرًَّا له؛ بل ذلك عدلٌ منه _ تعالى _.

وإن أُريد به عدم الخير، وأسبابه الموصلة إليه _ فالعَدَمُ ليس فعلًا حتى ينسب إلى الله، وليس للعبد على الله أن يوفقه، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، ومنع الفضل ليس بظلم ولا شر+ (1) .

ثم إن على العبد إذا عرف ما يضره وينفعه أن يَذلَّ لله _ عز وجل _ حتى يعينه على فعل ما ينفعه، ولا يقول: أنا لا أفعل حتى يخلق الله فيَّ الفعل، كما أنه لو هجم عليه عدو أو سبع فإنه يهرب ويفر ولا يقول: سأنتظر حتى يخلق الله فيَّ الهرب (2) .

ومن هنا يتبين لنا أن الشر لا ينسب إلى الله _ عز وجل _.

وهذا ما سيتضح في المباحث التالية.

المطلب الثاني: الحكمة من إرادة الله لما يحبه:

إذا قيل: كيف يريد الله أمرًا، وفي الوقت نفسه لا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يجمع بين إرادته له وبغضه وكراهته؟

قيل: إن المراد نوعان: مراد لنفسه، ومراد لغيره، فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير؛ فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد.

والمراد لغيره قد لا يكون مقصودًا لما يريد، ولا فيه مصلحة بالنظر إلى ذاته _ وإن كان وسيلة إلى مقصوده، ومراده _ فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث قضاؤه، وإيصاله إلى مراده؛ فيجتمع الأمران: بغضه، وإرادته، ولا يتنافيان، فيبغض من وجه، ويحب من وجه آخر.

وهذا أمر معلوم عند الخلق؛ فهذا الدواء الكريه الطعم والرائحة إذا علم الإنسان أن فيه شفاءَه أبغضه من وجه، وأحبه من وجه آخر؛ فيكرهه من جهة تألمه به، ويحبه من جهة إفضائه إلى ما يحب.

(1) الحكمة والتعليل في أفعال الله ص202، وانظر دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب للشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ص286_287.

(2) انظر القضاء والقدر للمحمود ص280.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت