فهرس الكتاب
وقل مثل ذلك في العضو المتآكل إذا عَلِم أن في قطعه بقاءً لجسده، وكقطع المسافة الشاقة إذا عَلِم أنها توصل إلى مراده، ومحبوبه، كالذي يقطع الفيافي، والمفاوز، والقفار، قاصدًا البيت العتيق.
ومن هنا يتبين لنا أن الشيء يجتمع فيه الأمران: بغض من وجه، وحب من وجه آخر، ولا يتنافيان، هذا في شأن المخلوق، فكيف بالخالق الذي لا تخفى عليه خافية، الذي له الحكمة البالغة؟ فهو _ سبحانه _ يكره الشيء، ولا يتنافى ذلك مع إرادته له لأجل غيره، وكونه سببًا إلى أمر محبوب (1) .
وهذا ما سيتضح من خلال الأمثلة التالية في المبحثين التاليين.
المبحث الثاني
الحكمة من خلق إبليس، وخلق المصائب والآلام
المطلب الأول: خلق إبليس والحكمة من ذلك:
الله _ عز وجل _ خلق إبليس الذي هو مادة الفساد التي تمد كل فساد في هذه الدنيا، في الأديان، والاعتقادات، والشهوات، والشبهات، وهو سبب لشقاوة العباد، وعَمَلِهم ما يغضب الله _ عز وجل _ وهو مع ذلك كله وسيلة إلى محابَّ كثيرةٍ، وحكم عظيمة.
إذا تقرر ذلك فهذه بعض الحكم التي تلمسها العلماء من خلق إبليس:
(1) انظرتفصيل ذلك في شفاء العليل ص364_412 و 445_460، وطريق الهجرتين ص181_183، والفوائد ص136_140، ومقدمة مفتاح دار السعادة ص3 ومابعدها من المقدمة، ومدارج السالكين1/264_269، و2/190_198، شرح العقيدة الطحاوية ص252_256، والحكمة والتعليل في أفعال الله ص205_210، ولوامع الأنوار البهية 1/339_343.