الصفحة 46 من 69

في مجتمع مخالف، وخاصة أنه قد ذهب إليه أو مازال يقيم فيه (اختيارًا وليس عن ضرورة، على الأقل بالمعنى التقليدي لتعريف الضرورة في الفقه الموروث) ؟

ومن ثم هل طرح مدرسة"فقه الأقليات"يستجيب لهذا التحدي الفكري، وبأية درجة؟ لأن طرح برنارد لويس يصدق في جانب كبير منه على الفقه الموروث"الذي اجتهد مؤسسو مدرسة فقه الأقليات للتجديد في كلياته، أو الاجتهاد في بعض مسائله، سواء بالدعوة لتأسيس فقه أقليات مستقل أو فقه أقليات متفرع عن الفقه العام، يبين شرعيته بل وضرورة استمرار الوجود المسلم في مثل هذه البيئة المخالفة الآن، بل يجد فيها فرصة متعددة المنافع (كما سبق الشرح) ."

إلا أنه يظل هناك أمر معلق ومحل تساؤل حتى الآن؛ وهو: هل الحفاظ على"الهوية الإسلامية"أضحى حفاظًا"مشروطًا بشروط"الغير"إما لتقييد هذه الهوية أو التعديل فيها أو ربما استبدالها بشبيه مشوه إن لم يكن ببديل كامل؟"

ومن ثم ما هو مناط الثابت الذي لا يمكن قبول تجاوزه حتى لو اضطر فقه الأقليات إلى اجتهادات في مجال"المتغيرات"؟

وتزداد حيوية هذا السؤال المطروح في هذا الموضع من الدراسة لأن"الشروط"من الغير كانت في البداية مجرد قبول المسلم"للضغوط"بالمعنى السلبي على تمسكه باحترام موجبات دينه على سلوكه، والمقصود بالمعنى السلبي هنا الضغوط النابعة من طبيعة الإطار ذاته (ترك الدين حتى في المجال الخاص، والخروج للمجال العام بكل ما هو ضد القيم المشتركة بين كل الأديان وليس فقط ضد واجبات المسلم السلوكية والخلقية .. ) . ثم أضحت"الشروط"الآن إرادية لأنها تقع تحت الضغوط الإيجابية؛ ومعنى الإيجابي هنا هو الفعل المقصود بالضغط من أجل فرض الاندماج بالقوة القانونية (قانون الحجاب) والضغوط النفسية بواسطة الإهانة المتعمدة لأصول الإسلام اختبارًا لمدى تحمل المسلمين ما يسمى"حرية التعبير في العلمانية (الدين الجديد) ."

(1) ثم ننتقل إلى نموذج ثان ظهر في مرحلة خاصة:

فبعد أزمة سلمان رشدي وظهور أزمة الحجاب في فرنسا ثم -وبدرجة أساسية- بعد نهاية الحرب الباردة واندلاع حروب البلقان ازداد تبلور الجدال حول اتجاهات الإسلام والمسلمين نحو علمانية الحياة السياسية والاجتماعية في الغرب؛ أي ما اعتبر هوية أوروبية تكمن في طريقة تنظيم ووظيفة كل من المجتمع والنظام السياسي في أوروبا الغربية، وعلى نحو يجعل الدين قاصرًا على المجال الخاص ومقابل علمنة الدولة. ومن اتجاهات تلك المرحلة ذلك النموذج [1] الذي أضاف إلى ما قدمه النموذج السابق الإشارة إليه، وعلى نحو يبين قدرا من التغير في اتجاه الجدل حول وضع المسلمين في أوروبا.

(1) على سبيل المثال فإن الدراسة عن"النمط الفرنسي (باعتباره أقصى الأنماط تعبرًا عن الاندماج ورفضًا لتقليد"التعددية الثقافية التي يترجمها النموذج البريطاني وبدرجات أقل كل من الألماني والهولندي) والتي قدمها أوليفيه روا، قد طرحت عدة أمور من بينها: التمييز بين سكان مسلمين وبين جماعة مسلمة ولأن التحول من أقلية إلى جماعة يتطلب شروطًا وبحيث لا تأتي الجماعة على نقيض التقليد الفرنسي. إذن شرط الاعتراف بالمسلمين كجماعة هو أن تندمج على النمط الفرنسي أي تتفرنس، كما أن الاندماج يتطلب شرطًا آخر هو انفصام العرى تمامًا مع العالم الإسلامي. (خاتمة كتاب برنارد لويس) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت