الصفحة 47 من 69

ويوضح هذا النموذج أنه بعد أن كان من الواضح خلال السبعينيات أن اندماج المسلمين الثقافي والديني لن يتحقق في ظل مبادئ العلمانية الغربية، وبعد أن تكررت مظاهر الصدام وعدم الاتفاق بين قيم المجتمعات الأوروبية الغربية وبين مطالب المسلمين خلال الثمانينيات، فإن اختفاء النظم الشيوعية في شرق أوروبا قد فرض بدوره هذه الأجندة على نحو يبدو بلا نهاية؛ ولهذا لم يعد المطروح هو النقاش حول مقولة عدم التطابق بين القيم الإسلامية وبين القيم العلمانية المنظمة للدولة والمجتمع في غرب أوروبا؛ حيث بدأت تظهر الجهود الفكرية التي تتحدى هذه المقولة وتقدم أطروحات عن إمكانيات التوفيق بين الجانبين فيما يتصل بالمواطنة وطبيعة المنظمات الاجتماعية- السياسية.

إلا أنه مع ذلك لم تقُد النقاشات المستمرة -والتي شارك فيها المسلمون بأنفسهم بآراء متنوعة- لم تقُد طوال التسعينيات إلى الاعتقاد بإمكانية حل المشكلة في مستقبل قريب، وظلت القضية المطروحة ومحل الاهتمام في الأجل القصير هي قضية الذوبان الثقافي.

وإذا كان هذا الاتجاه قد خطى خطوة للإمام مقارنة بالرؤية التي طرحها برنارد لويس في الثمانينيات، فإنه قد خطى أيضًا خطوة أخرى بالنسبة للوجه الثاني للعملة؛ أي مسئولية أوروبا عن الاندماج من عدمه؛ ذلك لأن هذا الاتجاه وجه النظر إلى أن قضية الهوية لا تعني المسلمين فقط ولكن تعني أيضًا المجتمعات الأوروبية.

فتلك الأخيرة تخشي أيضًا على هويتها التي تبلورت عبر عدة قرون من خبرة الدولة-القومية والتي أفرزت ثقافة وطنية مشتركة. ولذا؛ فإن التحليل ينتقد عدم التوازن في الآراء التي تستدعي فقط التحديات لهوية المسلمين في أوروبا، وتتهم فيه الأوروبيين بالمركزية الأوروبية.

ولهذا فإن الهجرة الكبيرة التي أعقب 1945 وأتت بثقافات مختلفة عن ثقافة أوربا كان لابد أن تعود إلى توترات وعدم تفاهم وصراعات. فعلى سبيل المثال بينت أحداث حرق كتاب سلمان رشدي وردود فعل الأوروبيين تجاهها كيف أضحت المجتمعات الأوروبية بعيدة عن الأولويات الدينية. ولعل المثال الصارخ على ذلك -في نظر هذه الدراسة- هو حالة فرنسا باعتبارها دولة الاستنارة، والعقلانية حيث تصبح علامات الهوية الدينية الظاهرة بمثابة عوامل اضطراب.

والحل المقترح من جانب هذه الدراسة نقلًا عن واحد من أهم مراجع دراسة وضع مسلمي أوروبا [1] يتلخص كآلاتي: نظرًا لأن مخاطر التفكك الاجتماعي لا يمكن إهمالها، ونظرًا لأن الاختلافات والتعددية -وخاصة ذات الطبيعة الدينية- كانت تاريخيًا ذات آثار مدمرة أكثر منها بنائية، لذا فإن الاختلافات يجب أن تحل في نطاق رضاء عام سياسي واجتماعي وقانوني"."

وفي المقابل فإن الدراسة لم ترَ أنه قد حدث تقدم ما على هذا الصعيد لأن هذه القصة لم يتم دراستها بجدية من جانب الأوروبيين، وكان المطلوب من الأوروبيين الاعتراف بحقيقة المشاكل وحقيقة المقاومة الثقافية التي تبديها الشعوب الأوروبية تجاه المهاجرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت