فهرس الكتاب
ومن ناحية أخرى، جرت مراجعات للعلمانية ومواقعها من الأديان وخاصة الإسلام، حتى إن البعض [1] تساءل (عن مغزى القانون الفرنسي) هل هو عداء للإسلام أم علمانية متشددة؟ موضحًا أن القضية تشير إلى جمود النموذج العلماني الفرنسي مقارنة بنظيره الأنجلو-ساكسوني، لأن النموذج الفرنسي لا يرغب في تطوير علمانية الجامدة لتتقبل درجة من التنوع داخل المجتمع الفرنسي لا يتعارض التعبير عنها مع قيم العلمانية أو النظام الجمهوري.
كما وضح هذا الاتجاه كيف أن المعضلة الحقيقية تكمن في جانب آخر؛ وهو الأحكام النمطية التي يروج لها الإعلام الغربي والتي تتمثل في أن"المواطن الصالح هو الذي يعيش مثل الأوروبيين ويجب أن يبتعد عن الدين حتى يكون حداثيًا وديمقراطيًا، ولهذا دخل الإسلام الفرنسي في حالة حرب مع المحجبات، وليس من مع نماذج الفشل الفرنسية في علاج مشاكل المهاجرين الاجتماعية والاقتصادية، بل والتمييز ضدهم على نحو يدفعهم إلى العزلة وليس الاندماج، وهي العزلة التي لا ترجع بالضرورة ودائمًا لأسباب دينية بالأساس."
الأمر الثاني- هو قدر ما يمثله المسلمون -وخاصة الأصوليون- من تهديد للأمن الأوروبي؟ وهو سؤال قديم جديد بادر الأوروبيون بطرحه منذ بداية التسعينيات وتجدد بقوة بالطبع بعد 2001، وشارك فيه بصورة ملحوظة الأمريكيون، ولا ينفصل هذا الأمر عن الأول -الخاص بالاندماج بالقوة- على اعتبار أن أحد أهم سبل تفسير التطرف والإرهاب أنهما نتاج عدم الاندماج، وأن هذا الأخير ذو أسباب ثقافية دينية.
وتتعدد الرؤى والأطروحات على هذا الصعيد (الربط بين عدم الاندماج بأسبابه المختلفة وبين التطرف والإرهاب) ونكتفي بالإشارة إلى بعض من أهمها:
فمن ناحية- قدم أحد التقارير الاستراتيجية الصادرة عن واحد من أهم مراكز التفكير في الولايات المتحدة [2] تحليلًا وافيًا لأسباب عدم اندماج المسلمين في أوروبا والولايات المتحدة، داعيًا للإسراع بعملية التكامل التدريجي للمسلمين وإتمامه، وتوضيح أن العقيدة الإسلامية ومبادئها لا تمثلها الأصوات المتطرفة العالية. والجدير بالملاحظة أن ما قدمته دراسات هذا التقرير -بأقلام متخصصين في هذا المجال- لم يقدم جديدًا مقارنة بما درج عليه التشخيص والتحليل طوال عقد سابق على أحداث 2001، وربما الاختلاف هو ليس في طبيعة العوامل المذكورة ولكن فيما أضحت عليه درجة حدتها وتحديها.
ومن بين أسباب عدم الاندماج التي ذكرتها دراسات هذا التقرير ما يلي:
1 -تتعقد عملية التكيف والاندماج نظرًا للتعقد في العلاقة بين الجاليات المسلمة في العالم الإسلامي وخاصة مع زيادة حدة الاتصالات في ثورة المعلومات.
ففي حين ساعد الإطار الديمقراطي في أوروبا"المثقفين المسلمين من التوصل إلى تفسير جديد للإسلام يبين إمكانية التعاون بين الإسلام والحداثة، فلقد تسربت -في نفس"
(1) د. نادية محمود مصطفى: ملامح خطابات رسمية وبرلمانية فرنسية (في) مرجع سابق.
(2) د. باكينام الشرقاوي: مرجع سابق، ص 109.