الصفحة 58 من 69

ثانيًا- الأوروبيون المسلمون (أم المسلمون الأوروبيون؟) وفقه المواطنة والاندماج

الأقليات المسلمة، الجماعات المسلمة، الدياسبورا المسلمة، .. مصطلحات يتردد وصف مسلمي أوروبا -وغيرهم- بها، وهؤلاء المسلمون أنفسهم ليسوا كتلة واحدة بل يجدر التمييز بين فئات منهم كما سبقت الإشارة، فهناك الأصوليون (حزب التحرير والمهاجرين) الذين يدعون للعزلة والانغلاق ويكفرون المجتمعات الأوروبية ويدعون لتغييرها، والإسلاميون الوسطيون المعتدلون المدافعون عن الاندماج ولكن بوصفه اندماجًا إيجابيًا يقوم على المواطنة من ناحية والحفاظ على الهوية الدينية والثقافية من ناحية أخرى، وأخيرًا هناك المسلمون (دينًا) والذين لا يعرّفون أنفسهم بالإسلام وهم الأقرب إلى الاستيعاب في القيم الأوروبية وطريق الحياة الأوروبية.

وموضع التركيز هنا هو الفئة الثانية أساسًا وهي التي تقدم استجابة فكرية للتحديات التي تفرضها الرؤى الأوروبية المتنوعة -السابق رسم خريطتها- وهي من ناحية أخرى تقدم اقترابًا آخر تحت اسم"فقه الاندماج والمواطنة"، وليس فقه الأقليات مما يعطي مساحة للمقارنة مع مدرسة فقه الأقليات السابق تناولها في الجزء الأول من الدراسة حيث إن هذه الفئه (فئة الاندماج والمواطنة) هي التي يصفها البعض [1] بمتفقهة الأقليات الذي ينطلقون من المبادئ والكليات والقيم العامة وروح القرآن ومقومات الرسالة الإسلامية، وذلك على عكس الفقهاء المستندين إلى مصادر وأدلة الشرع؛ أي إنهم -وفق هذا التصور أيضًا- هم الذين لا يدعون الرسوخ في علم الفقه ويشرون لأنفسهم كدراسين أو باحثين أو ماشابه ذلك، ويرون أيضًا أن لهم حق التعامل المباشر مع شِرْعَه دينها كتابًا وسنة .. وأن يتجاوزوا الفقه الموروث.

بعبارة أخرى هذه الفئة من متفقهة الأقليات تقدم حججًا وتفسيرات وتشخيصا تستند إلى أسس فلسفية واجتماعية، وتتجه أساسًا إلى ما يسمى حلولًا أوروبية لمشاكل"الأوروبيين المسلمين".

كما أن هذه الفئة من ناحية ثالثة: تمثل استجابة لتحديات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، فلقد تبلورت آراؤها وأضحت أكثر ظهورًا وانتشارًا منذ ذلك الحين، ونذكر بصفة خاصة رؤى التيار الذي يمثله د. طارق رمضان والذي يشارك في قسماته الكبرى أطروحات منظرين ومفكرين وناشطين آخرين من الجيل الثاني من مسلمي أوروبا.

وعلى هذا النحو فإن هذه الفئة تمثل الاستجابة للمرحلة الثالثة من مراحل تطور علاقة المسلمين بالمجتمعات الأوروبية التي هاجروا إليها باعتبار أن المرحلة الأولى هي مرحلة ما أسماه البعض [2] مرحلة الإسلام الهادئ (1900 - 1972) ، والمرحلة الثانية هي مرحلة ظهور الجيل الثاني من المسلمين (1973 - 1988) ، التي تبلور فيها تعبير المسلمين عن أنفسهم وتنامت فيها مطالبهم بحقوقهم حفاظًا على هويتهم أو المرحلة التالية (1989 - .... ) هي مرحلة

(1) الفصل الثاني من التقرير تحت عنوانه:"الإسلام كظاهرة غربية: التداعيات لأوروبا والولايات المتحدة من إعداد جون اسبوسيتو."

(2) الفصل والثالث من التقرير تحت عنوان ملف الإسلام الأوروبي من إعداد جوسلين سيزاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت