الصفحة 59 من 69

المواجهة التي ازدادت صدامًا بعد 2001 وبعد تفجيرات أوروبا -في أسبانيا وفرنسا ولندن- وتنامت خلالها اتجاهات العنصرية الأوروبية واليمين المتطرف مستغلين الأحداث الخارجية (الانتفاضة، الحرب على العراق) من ناحية وأعمال العنف المسلح من قبل الأصوليين الإسلاميين في أوروبا من ناحية أخرى لإضفاء مزيد من السوء على صورة المسلمين وتصويرهم على أنهم يمثلون تهديدا لقيم المجتمعات الأوروبية وثقافتها.

ولذا تصاعدت في هذه المرحلة الاستقطابات الحادة بين المسلمين والمجتمعات الأوروبية والتي اتخذت أشكالًا عدة، لم تمنع بدورها من ظهور مؤشرات إيجابية هامة من بينها تزايد عدد معتنقي الإسلام -وخاصة في فرنسا- على نحو غير مسبوق، وتزايد مبيعات الكتب عن الإسلام [1] .

ومن وسط هذا السياق تبلورت رؤى هذه الفئة من مسلمي أوروبا متحدثة بفقه الاندماج وفقه المواطنة كسبيل المواجهة هذه الهجمة الجديدة على الإسلام في أوروبا -بعد أن كان قد قطع شوطًا في النمو والتأسيس خلال الثمانينيات والتسعينيات- وهذه الهجمة الجديدة هي محصلة تأثير عدة محددات داخلية أوروبية وأقليمية (شرق أوسطية) وعالمية [2] .

إذن ما الجديد الذي قدمه فكر هذه الفئة عن العلاقة بين الإسلام / العلمانية / الحداثة، ومن ثم عن المواطنة والاندماج؟ أي حول الإطار المقارن الذي سبق تحديده في مقدمة الجزء الأول من الدراسة؟

ودون التقليل من إسهام فكر آخرين [3] إلى جانب طارق رمضان فسأقتصر في هذا الموضع الآن على التفصيل في إسهام هذا الأخير باعتباره مفكرا أو أستاذًا جامعيًا وناشطًا مدنيًا أثار قدرًا كبيرًا من الاهتمام والنقاش حول أفكاره [4] ؛ وباعتباره أيضًا من ذلك الرافد -في إطار فقه المواطنة والاندماج الذي يركز على نقد الذات أولًا والابتداء بالواجبات التي على المسلمين القيام بها قبل المطالبة بالحقوق التي لهم، وفي المقابل فهناك رافد آخر يركز على نقد سياسات أوروبا ومجتمعاتها وتأكيد مسئوليتها ابتداء من توفير فرص الاندماج للمسلمين الأوروبيين.

ويمكن تلخيص محور أطروحاته على النحو التالي:

هو يتحدث أساسًا عن"الأوروبي المسلم"وليس"المسلم الأوروبي". فمشروعه الأساسي الذي يخدمه فكريًا وحركيًا هو إيجاد شخصية أوروبية مسلمة متجانسة والبحث عن المشترك بين المسلمين وغير المسلمين، ورفضه ثقافة الضحية والاستضعاف وعقد النقص والاضطهاد.

ولذا فإن أهم مؤلفاته يتخذ عنوانًا"الغربيون المسلمون ومستقبل الإسلام". خلاصة هذا القول التمهيدي أنه يمثل فكر ما يسمى"الإسلام الأوروبي والإسلام النقدي"، ويمكن عرض خريطة أفكاره أو منظومتها -من واقع قراءة بعض مقالاته [5] - فيما يلي:

(1) مدحت ماهر: مرجع سابق.

(2) حسن أبو طالب (رئيس تحرير) : التقرير الاستراتيجي العربي (2004 - 2005) ، المسلمون في أوروبا أزمات الاندماج في بيئة مغايرة، ص 141 - 144.

(3) حول بعض المؤشرات السلبية (2004) تجاه المسلمين في أوروبا، انظر المرجع السابق، ص 149 - 152.

(4) حول هذه المحددات انظر على سبيل المثال:

-عمرو الحمزاوي (محرر) : حركات اليمين الراديكالي في أوروبا وأزمة الديموقراطية الليبرالية، أوراق أوروبية، العدد 2، مايو 2005، مركز الدراسات الأوروبية، جامعة القاهرة، 2005.

-وعن تدني وضع الدين في أوروبا وأثار ذلك على التوجه نحو المسلمين انظر:

-... عن وضع الأديان في فرنسا على سبيل المثال، انظر: دانييل هرفيوليجيه: وضع الأديان في فرنسا، (نص مترجم من أرشيف السفارة الفرنسية في جمهورية مصر العربية) .

-... وحول رؤية المحافظين الجدد واليمين الديني في الولايات المتحدة لآثار الوجود المسلم في أوروبا، انظر:

(5) نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت