الصفحة 64 من 69

وإذا كان بعض الناس يرى أن الاندماج الحقيقي يعني التأثير على كل جوانب الشخصية؛ فإن رمضان يرفض هذه النظرة الضيقة للاندماج لأنها تتطابق مع مفهوم الاستيعاب. وهو لهذا ينبه إلى التناقض القائم بين تأكيد الأوروبيين -نظريًا- لحق المسلمين في ممارسة دينهم، وبين إنكارهم لتلك الممارسات التي يصاحبها ظهور كبير في المجال العام. وفي مقابل هذا، يرى رمضان أن مستقبل الوجود المسلم في أوروبا سيصاحبه"ثقافة إسلامية أوروبية Islamo- European Culture"تنفصل عن ثقافات العرب، والأتراك والهنود والباكستانيين، وإن ظلت هذه الثقافات الأم موضع استلهام. إلا أن الوضع الراهن يشير إلى أنه تجري الآن عملية تشكيل وبلورة هذه الثقافة الإسلامية الأوروبية الحديثة، وهي عملية لا تتم في معزل عن الإطار المحيط بل تقبل حقائق العيش في أوروبا. وبالتالي؛ فإن مزج الأفكار والمبادرات بين الشباب المسلم يمثل مرحلة جديدة من تطور الوجود المسلم.

5 -ويرى طارق رمضان، أن هذا الوجود المسلم النشط المتفاعل الجديد الذي تعبر عنه الأجيال الشابة الجديدة في الجماعات المسلمة والساعية لتشكيل ثقافة إسلامية أوروبية جديدة يثير تساؤلا كبيرا حول كيفية حماية الإيمان، على أساس أن تسامح الأوروبيين مع الوجود المسلم سيكون مشروطًا بتخليهم عن ممارسة دينهم. ويرى رمضان أنه إذا كان هذا النمط من الخطابات التي قد وجهتها بعض القوى السياسية والإعلامية؛ لأغراض معينة؛ فإن الاستجابة لها باختيار اتجاه العزلة سيحقق أغراضها وأهدافها؛ وهي تحجيم الوجود المسلم. وفي المقابل يرى رمضان أنه قد تبين من خلال النقاشات الداخلية والخارجية أنه ليس هناك في نص أو روح التشريعات الأوروبية ما يعارض الممارسة الكاملة والسلمية لدين المسلم.

ولهذا تنامت المؤسسات الإسلامية القائمة على تحقيق هذا الأمر في ظل مناخ مفتوح للحوار حول الهوية خاليًا من ردود الفعل المتشددة أو العدوانية. واعترف رمضان بأنه بالرغم من إنجازات هذه المؤسسات الإسلامية إلا أنها تواجه عقبات أمنية وإدارية بسبب الشكوك والخوف والخلط الناجم عن الاعتقاد بأن كل مسلم ملتزم هو بالضرورة"أصولي".

ويصل رمضان إلى أن المُخرج النهائي لأفكاره -وهو المواطنة في ظل الاندماج- لن يتحقق إلا بنشر الوعي بالقيم المدنية، وبدون التضحية بالدين لتحقيق مواطنة حقيقية تلزم المسلمين بالوعي بكل من حقوقهم والتزاماتهم في السياق الأوروبي، وهو الأمر الذي سيتولد معه"اندماج ودود Intimate integrate"في المجتمع الأوروبي، لن يجعل من المسلم إنسانا أقل إسلامًا حتى يصبح أوروبيًا، بل سيجعل من اندماج المسلم إسهامًا إيجابيًا في المجتمع الأوسع، مع احتفاظ هذا المسلم بتكامله الروحي والخلقي والقيمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت