الصفحة 141 من 211

وهذا مسلك في العلم منكور، فإن الذي لا يثق بعلمه وعقله ومواهبه، لا يمكن أن يلج طريق الإبداع والابتكار، لأنه طريق يحتاج إلى شجاعة وإقدام كحاجته إلى البحث والتأمل والنظر، ولعل الذي أودى بهذه الثقة وأخمد جذوتها أمران:

1-مقولة نشأت قديما ولاكتها الألسن: وانتشرت كالوباء بين أهل العلم تنسب لابن المقفع ت 144 هـ (1) وهي: ما ترك الأول للآخر شيئا، وقد يعبر عنها بقول الشاعر:

لم يدع من مضى للذي قد غبر

فضل علم سوى أخذه بالأثر

ولكن هل وجدت هذه الكلمة صدى عند المبدعين؟ كلا بل لقد توارد العلماء على إبطالها جيلا بعد جيل، ورعيلا بعد رعيل، حتى أوردوها الحفرة، وسنوا عليها التراب.

فهذا الجاحظ يقول: وقد قالوا: ليس مما يستعمل الناس كلمة أضر بالعلم والعلماء، ولا أضر بالخاصة والعامة من قولهم: «ما ترك الأول للآخر شيئا» (2) .

(1) لم أرها في شيء من كتبه بهذا اللفظ والذي رأيته في كتابه الأدب الكبير (ص64) قوله بعد أن امتدح المتقدمين وأثنى عليهم: «فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم...» .

(2) رسائل الجاحظ (4/ 103) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت