فهرس الكتاب
وحينما حرمت عليهم أصناف من الأنعام استحلوا شحومها. فمثل هذا التحايل لا يحل حراما ولا يقلل إثما لأن الله تعالى يعلم ما تخفي الصدور.
وبداية المعصية تكون خاطرة عابرة. يقول إبن القيم الجوزية (1) في كتاب الفوائد: دافِعِ الخطرة، فإن لم تفعل صارت شهوة، فحاربها، فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمّة، فإن لم تُدافعها صارت فعلا، فإن لم تتداركه بضده صار عادة فيصعب عليك الإنتقال عنها.
إن المعاصي التي نهى عنها الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم واضحة للمؤمن، فهو يفر منها ولا يقترب منها. لكن الشيطان لا يدع إبن آدم دون أن يحاول تزيين السيئات له. أما عباد الله المخلصين فهم يقظون على الدوام، فإذا ما وسوس لهم الشيطان سوءا تذكروا فإذا هم مبصرون، " إنّ الّذين اتَّقوا إذا مَسَّهُم طائف مِنَ الشيطانِ تَذَكّروا فإذا هُم مُبصِرونَ " (2، وهذه الوسوسة هي بداية الإثم وهي من الصغائر التي يغفرها الله إن لم يتبعها فعل. فالمؤمن حذر مراقب لنفسه سواء في أقواله أو في أفعاله أو في خواطره. فإذا ما خطر له خاطر سوء، ذكر الله تعالى وعدل عن فعل المعصية فتكتب له حسنة، كما مر في الحديث(1) .ـ
يجب على المسلم أن يهتم بالإبتعاد عن النواهي التي نهى الله عنها أو نهى عنها رسوله صلىلله عليه وآله وسلم حتى أكثر من إهتمامه بإتباع الأوامر. فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " فإذا أمَرتُكُم بشيء فأتوا منهُ ما إستَطَعتُم وإذا نَهيتُكُم عن شيء فدَعوهُ " (3) .ـ
ـ 47 ـ إجتناب عقوق الوالدين وقول الزور
عن أبي بكرة (4) رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ألا أُنبِّئُكُم بأكبَرِ الكَبائر - ثلاثا؟ " قلنا بلى يارسول الله، قال: " الإشراكُ باللهِ وعُقوقُ الوالِدين "، وكان متكئا فجلس، فقال: " ألا وقولُ الزورِ وشَهادَةُ الزور " فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
(متفق عليه)
الكبائر هى الذنوب العظيمة التي يلحق بالمرء إثم كبير إذا إرتكبها وقد يترتب عليه عقوبة شرعية أو كفارة. وأعظم الذنوب على الإطلاق هو الشرك بالله شركا واضحا كادعاء الولد. قال تعالى: " إنّ اللّهَ لا يَغفِرُ أن يُشرَكَ بِهِ ويَغفِرُ ما دون ذلك لِمَن يَشاء " (5) . ومن أشرك بالله فقد كفر. ويتبع ذلك من إرتدّ عن الإسلام بإعلانه ذلك، أو بإنكاره معلوما من الدين كالنبوة أو الملائكة أو التكذيب بآيات القرآن وما شابه ذلك. أما الكبائر الأخرى فقد تم تحديدها في هذا الحديث وفي بعض الأحاديث الأخرى. لكن من بين تلك الكبائر ما هو من أكبرها فليست الكبائر كلها متساوية.
ومن أكبر الكبائر عقوق الوالدين، وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله: " وقَضى رَبُّكَ ألاّ تَعبُدوا إلاّ إيّاهُ وبالوالِدينِ إحسانا، إمّا يَبلُغَنّ عِندَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أو كِلاهُما، فَلا تَقُل لَهُما أُف ولا تَنهَرهُما وقُل لَهُما قولا كَريما. واخفِض لَهُما جَناح الذُّلّ من الرحمَةِ وقُل رَبّ ارحمهُما كما رَبّياني صَغيرا " (6) ، وفي الوقت الذي دعى الله سبحانه وتعالى إلى عدم تولي الكفار فإنه أوصى بمصاحبة الوالدين في الدنيا بالمعروف وبرهما حتى وإن كانا كافرين واستثنى إطاعتهما إن هما أمرا بالشرك بالله: " وإن جاهداكَ على أن تُشرِك بي ما ليسَ لَكَ بِهِ عِلم فلا تُطِعهُما وصاحِبهُما في الدنيا مَعروفا " (7) .ـ
أما الكبيرة الأخرى التي ذُكرت في هذا الحديث فهي شهادة الزور وقول الزور، لما يترتب عليها من كثير آثام مفاسد، كأخذ الأموال بغير حق والظلم والتباغض والشقاق والخصام وربما الإقتتال. وعلى المؤمن أن يحذر من شهادة الزور وقول الزور أشد