فهرس الكتاب
الحذر، فإن ذلك لا ينحصر في الشهادة بين المتخاصمين أمام القضاء فقط، بل يدخل في كثير من المعاملات التي يتعامل بها الناس وتتضمن أكلا لأموالهم بغير حق أو ظلما للناس. فمن أعان الظالم على ظلمه بكلمة يعلم أنها كذب، فهي شهادة زور. وإن مدح معتديا فشجعه على عدوانه فهو قول زور ... ومشاركة في إرتكاب العدوان وهكذا وقد عُدِّدَت أكبر الكبائر في الحديث الآتي (48) ، وفيه سماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسبع الموبقات.
ـ 48 ـ إجتناب السبع الموبقات
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
" إجتَنِبوا السَبعَ الموبِقاتِ: الشِركُ باللّه، والسِحرُ، وقَتلُ النَفسِ الّتي حَرّمَ اللّهُ إلاّ بالحَقّ، وأكلُ الرّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، والتوَلّي يومَ الزَحفِ، وَقذفُ المُحصَناتِ المُؤمِناتِ الغافِلات "
(رواه أبو داود والنسائي والبيهقي)
هنا تعداد لسبع من الموبقات. وتحديد العدد هنا هو ليس حصرها بالسبع تحديدا بل هذه السبعة هي من أكبر الكبائر، وقد مر بنا أن عقوق الوالدين أيضا من أكبرها رغم أنه غير مذكور في هذا الحديث. وقد سُئل ابن عباس رضي الله عنه عن عددها أهي سبعة؟ فقال هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. وبالطبع فإن كثيرا من الكبائر هذه هي إهمال الفرائض. فالصلاة فريضة وتركها كبيرة، وكذلك الزكاة فريضة وتركها كبيرة، والصيام فريضة وتركه كبيرة وحجاب المرأة فريضة وتركه كبيرة ... وهكذا.
من الكبائر التي ذكرت هنا قتل النفس بغير حق، فللنفس حرمة كبيرة، قال الله تعالى: " وَمَن يَقتُل مؤمِنا مُتَعَمّدا فَجَزاؤهُ جَهَنّمُ خالِدا فيها وغَضِبَ اللّهُ عليهِ ولعَنَهُ وأعَدّ لهُ عَذابا عَظيما " (8) . واشتراك أكثر من شخص واحد بذلك لا يقلل الذنب عن أي منهم فكلهم قاتل. وقد حذّر صلى الله عليه وآله وسلم من الإعانة على القتل والخصام، فقال: " مَن أعانَ على خصومَة لَم يَزَل في سَخَطِ اللّهِ حَتى يَنزِع " (9) . والقتل من الظلم في النفوس. أما الظلم في الأموال فالربا أحدها، وقد شدد الله على تعاطي الربا في عدة آيات منها قوله تعالى: " فَإِن لم تَفعَلُوا فَأذَنُوا بِحَرب من الله ورَسولِه " (10) ، وقد شدد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وعيد آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده (11) ولم يتهاون في اليسير من الربا فكل قرض جرّ نفعا فهو ربا، وكل الربا محرم حيث قال: " الرّبا سَبعونَ بابا أهونُها كوَقعِ الرجُل على أمهِ " (12) .ـ
وأكل مال اليتيم هو من أبشع أنواع الظلم، قال الله تعالى: " إنّ الّذينَ يأكُلونَ أموال اليتامى ظُلما إنّما يأكُلونَ في بُطونِهم نارا وسيَصلونَ سَعيرا " (13) ، وإن من المروءة الإحسان إلى الضعفاء كافة، كاليتيم والمريض والأرملة والشيخ العاجز، وهو ما تأخذ به الشرائع الدنيوية، لكن ما يريده الله فوق كل ذلك حسن المعاملة الفردية من كل مسلم، وهو ما لا تستطيع أن توفره القوانين لأنه أمر ينبع من الأيمان بالله وإبتغاء الثواب منه والخوف من عقابه.
أما الفرار يوم الزحف (في المعركة) هو جريمة بحق الأمة كلها لأن فرار الفرد الذي يكون جزءا من جسد الجيش المقاتل، قد يتسبب في إدخال الوهن إلى قلوب أفراد آخرين ومن ثم قد يتسبب في خسارة المعركة وما يتبع ذلك من سفك المزيد من الدماء وإستباحة للحرمات وغير ذلك. إنّ عقوبة الإعدام التي تأخذ بها بعض القوانين لمن يفر من المعركة قد لا تجدي نفعا، لأن الفار يمكن أن يختار بين موت محقق آني وموت مؤجل محتمل فيفر. أما إذا كان قد دخل المعركة مجاهدا في سبيل الله موقنا بأن وراء الفرار عذاب أليم يوم القيامة الذي لا بد أن يلاقيه فإنه سيختار الثبات. قال الله تعالى: " ومن يولِّهِم يومَئذ دُبُرَهُ إلاّ متحَرّفا لِقِتال أو متَحيّزا إلى فِئَة فقد باء بِغَضَب من اللّهِ ومأواهُ جَهَنَّمُ وبِئسَ المَصيرُ " (14) . وقد رخص الله تعالى الإنسحاب المنظم إن زاد