فهرس الكتاب
(رواه مسلم والترمذي)
من أسماء الله تعالى الحسنى: العدل، فكل ما يحكم الله به هو العدل، ليس فيه ظلم قيد أنملة، ولا يرضى من عباده بعضهم على بعض إلاّ بالعدل. فالظلم ظلمات يوم القيامة. إن دواعي ظلم البشر بعضهم لبعض كامنة في أنفسهم يثير نوازعها الشيطان. فالأثرة والأنانية وحب العلو والتسلط من الأسباب الرئيسة للظلم ولكن المؤمن الذي يُحب لأخيه ما يحب لنفسه (20، والذي لا يرضى الظلم لنفسه كيف يرضاه لغيره؟ المؤمن يضع نفسه مكان المظلوم فلا يعامله إلا بما يحب أن يعامَل هو به. فلا يمنع الناس حقوقهم التي فرض الله أداءها لهم، وهو ينصر المظلوم ما إستطاع إلى ذلك سبيلا ولو بكلمة رجاء عند من ظلمه، ولو بالدعاء إن لم يستطع غير ذلك. ولكن يجب أن يكون الدعاء بعد محاولة نصرته ثم عدم الإستطاعة. أما الغافل عن نصرة المظلوم وهو مستطيع ذلك فهو من جملة من ظلمه. وعلى ذلك فنصرة المظلوم فرض كفاية إذا قام بها بعض المسلمين سقط الإثم عن الجميع وإن لم يقم بها أحد أثم من كان مستطيعا دفع الظلم ولم يساعد في دفعه. قال صلى الله عليه وآله وسلم: " إتَّقوا دَعوةَ المَظلومِ وإن كانَ كافرا فإنَّهُ ليسَ دونَها حِجاب "(21) ـ
وقال سعيد بن المسيب: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلاّ بإنكار من قلوبكم لئلا تحبط أعمالكم الصالحة. وجاء رجل إلى سفيان الثوري، فقال: إني أخيط ثياب السلطان هل أنا من أعوان الظلمة؟ قال بل أنت من الظلمة أنفسهم، ولكن أعوان الظلمة من يبيع الإبرة والخيوط.
والظلم متعدد الأشكال، فظلم النفس بتعريضها لمقت الله تعالى وغضبه بعدم إطاعة أوامره، وظلم الأهل والولد بعدم إعطائهم حقهم أو إطعامهم الحرام أو عدم العدل بينهم، وظلم الأمير لرعيته بعدم إعطائهم حقوقهم أو إيثار نفسه وخاصته عليهم وعدم المساواة بينهم وعدم تطبيق شرع الله بينهم، وظلم المرأة عدم إطاعة زوجها وعدم الإهتمام بتربية أولادها، وظلم ألأجير من استأجره بعدم إتقان عمله، وهكذا. وكل هذه الأبواب مما حرم الله تعالى من الظلم.
وقد مر أن من أكبر أنواع الظلم: ظلم الضعفاء الذين لا يستطيعون أخذ حقوقهم كالأرملة واليتيم. وأن من أكبر أنواع الظلم الأخرى شهادة الزور وقول الزور قال تعالى: " والّذين لا يشهدونَ الزورَ وإذا مَرّوا باللّغو مَرّوا كِراما " (22) ، واليمين الغموس التي تغمس صاحبها في جهنم حين يحلفها وهو يعلم أنه كاذب إبتغاء إقتطاع حق غيره سواء إستفاد من ذلك هو أو غيره من الظلمة.
ـ 52 ـ العدل بين الرعية
عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما من والٍ يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة "
(أخرجه البخاري)
قال الله تعالى: " ولا تحسَبَنّ اللّهَ غافِلا عَمّا يَعمَلُ الظالِمون. إنَّما يؤخِّرُهُم لِيوم تشخَصُ فيه الأبصارُ " (23) . الظلم ظلمات يوم القيامة. وكلما عمّ الظلم ناسا أكثر كلما كان عقابه يوم القيامة أشد. فمن إستُرعِي على نفر فظلمهم ببخسهم حقوقهم أو بأخذ أموالهم بغير حق أو بتكليفهم ما لا يطيقونه أو بإستئثاره بحقوقهم لمصالحه فهو في النار، فكيف بمن إسترعى أمانة أكثر من ذلك. وقد هدد الله الظالمين بقوله تعالى: " وسيعلم الذينَ ظَلَموا أيّ مُنقَلَب يَنقَلِبونَ " (24) .ـ