فهرس الكتاب
أما المنّان فهو الذي يؤذي الناس بتخجيلهم وجرح شعورهم بما أسدى إليهم من شيء يظنه فضلا. قال تعالى: " ياأيُّها الّذينَ آمَنوا لا تُبطِلوا صَدَقاتِكُم بالمَنّ والأذى " (33) ، فالمنّ خلق ذميم لا يليق بالإنسان السوي فكيف وهو محبط للعمل وممحق لأجور الآخرة؟ ولو فكر المنّان بما يمنّ به لعلم أن النعمة التي يمنّ بها هي من عند الله والله قدير على أن يسلبها منه ويعطيها لمن يمنّ بها عليه. والمؤمن الصادق يشعر بأنه إذا أعطى صدقة لفقير محتاج فإنه أصبح لهذا الفقير منّة عليه لأنه كان مساعدا له في إكتسابه الثواب من عند الله تعالى. فإن كان الأمر كذلك فكيف يشعر بمنّة على غيره مهما أسدى لغيره من معروف أو بذل من مال.
ـ 54 ـ إجتناب لعب القمار
عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
" مَن لَعِبَ بالنَردِ فقَد عَصى اللّهَ وَرَسولَهُ "
(رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه)
لعب القمار محرم بالقرآن: " ياأيُّها الّذينَ آمَنوا إنَّما الخَمرُ والميسِرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجس مِن عَمَلِ الشيطانِ فاجتَنِبوهُ لَعَلَّكُم تُفلِحون. إنَّما يُريدُ الشيطانَ أن يوقِعَ بينَكُم العَداوةَ والبَغضاءَ في الخَمرِ والميسِرِ ويَصُدَّكُم عَن ذكر اللّهِ وعَنِ الصَلاةِ فَهَل أنتُم مُنتَهونَ " (34) . والميسر بأنواعه من دور قمار ورهان سباق الخيل واليانصيب والرهان على أي نوع من الألعاب المسلية سواء ما ذكره الحديث من نرد أو غيره، كل ذلك مشمول بالتحريم. ولقد بين الله بعض الأغراض الشيطانية من التسويل للناس في لعب القمار من إيقاع البغضاء بين الناس ومن الصد عن الصلاة، إضافة إلى أكل أموال الناس بالباطل: " ولا تأكُلوا أموالَكُم بينَكُم بالباطلِ " (35) .ـ
أما اللعب الذي لا يعتمد على الرهان ولا النرد ويمكن أن ينمي القابليات البدنية والذهنية كالمبارزة أو بعض الألعاب التلفزيونية التي شاعت مؤخرا والشطرنج، فهي مباحة شرط عدم تسببها في تأخير فريضة أو قيام بواجب. بل ويمكن أن يكون بعضها مندوبا إذا كان مفيدا لتنمية القابليات البدنية والذهنية.
وسبق أن أوضحنا في شرح الأحاديث 1، 25 و 45 أن الترويح عن النفس ينقلب إلى عبادة عند حضور النية. ونضيف هنا شرطا آخر وهو أن تكون الوسيلة للترويح مباحة كشرط لكي ينقلب الترويح عن النفس إلى عبادة. فالله سبحانه وتعالى لم يأمر باتباع الصراط المستقيم دون أن يوضح السبل المشروعة المؤدية إلى ذلك وحث على الأخذ بها، وحذر من الوسائل غير المشروعة حتى وإن كان فيها فوائد قليلة أحيانا. فالوسيلة المحرمة هنا هي الربح دون بذل جهد بدني أو فكري أو بإستغلال المصادر الطبيعية التي سخرها الله سبحانه وتعالى لبني آدم، بل استخدام لظواهر ليس للإنسان فيها فضل كالحظ أو إستغلال سذاجة بعض الناس وغشهم بوسائل ما أنزل الله بها من سلطان.
ـ 55 ـ الورع عند كسب الرزق
عن كعب بن عجرة (36) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
" كُلّ لَحم نَبَتَ مِنَ الحَرامِ فالنّار أولى بِهِ "