فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 99

ثمّ قال الشيخ:"ولا ريب أنّ الذي حملهم على ذلك: حبّ الله ورسوله، وبغض الكفّار، ومحبتُهم أن يظهر الإيمان على الكفر، وأن لا يكون قد دخل على أهل الإيمان غضاضة وضيم من أهل الكفر، ورأوا أنّ قتالهم لئلا يضاموا هذا الضيم، أحبّ إليهم من هذه المصالحة التي فيها من الضيم ما فيها، لكن معلوم وجوب تقديم النصّ على الرأي. والشرع على الهوى. فالأصل الذي افترق فيه المؤمنون بالرسل والمخالفون لهم تقديم نصوصهم على الآراء، وشرعهم على الأهواء. وأصل الشرّ من تقديم الرأي على النصّ، والهوى على الشرع. فمن نوّر الله قلبه رأى ما في النصّ والشرع من الصلاح والخير؛ وإلا فعليه الانقياد لنصّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وليس له معارضته برأيه وهواه، كما قال ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"إنّي رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري" [1] ، فبيّن أنّه رسول الله، يفعل ما أمره به مرسله، لا يفعل من تلقاء نفسه، وأخبر أنّه يطيعه ولا يعصيه كما يفعل المتّبع لرأيه وهواه، وأخبر أنّه ناصره، فهو على ثقة من نصر الله، فلا يضرّه ما حصل، فإنّ في ضمن ذلك من المصلحة وعلوّ الدين ما ظهر بعد ذلك، وكان هذا فتحًا مبينًا في الحقيقة، وإن كان فيه ما لم يعلم حسن ما فيه كثير من الناس، بل رأى ذلك عجزًا وغضاضة وضيمًا، ولهذا تاب الذين عارضوا ذلك ـ رضي الله عنهم ـ كما في الحديث رجوع عمر، وكذلك في الحديث أنّ سهل بن حنيف اعترف بخطئه، حيث قال: الله ورسوله أعلم. وجعل رأيهم عبرة لمن بعدهم، فأمرهم أن يتّهموا رأيهم على دينهم، فإنّ الرأي يكون خطأ، كما كان رأيهم يوم الحديبية خطأ. وكذلك على الذي لم يفعل ما أمره به، والذين لم يفعلوا ما أُمروا به من الحلق والنحر حتّى فعل هو ذلك؛ قد تابوا من ذلك، والله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيّئات."

(1) أخرجه البخاري ( 2581 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت