فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 99

وقوله: { ولذكر الله أكبر } بيان لما فيها من المنفعة والمصلحة، أي: ذكر الله الذي فيها أكبر من كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر، فإنّ هذا هو المقصود لنفسه، كما قال: { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } [ الجمعة: 9] ، والأوّل تابع، فهذه المنفعة والمصلحة أعظم من دفع تلك المفسدة، ولهذا كان المؤمن الفاسق يؤول أمره إلى الرحمة. والمنافق المتعبّد أمره صائر إلى الشقاء، فإنّ الإيمان بالله ورسوله هو جماع السعادة وأصلها.

ومن ظنّ أنّ المعنى: ( ولذكر الله أكبر من الصلاة ) فقد أخطأ، فإنّ الصلاة أفضل من الذكر المجرّد بالنصّ والإجماع. والصلاة ذكر الله لكنّها ذكر على أكمل الوجوه، فكيف يفضل ذكر الله المطلق على أفضل أنواعه!. ومثال ذلك قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"عليكم بقيام الليل؛ فإنّه قربة إلى ربّكم، ودأب الصالحين قبلكم، ومنهاة عن الإثم، ومكفرة للسيّئات، ومطردة للداء عن الجسد" [1] ، فبيّن ما فيه من المصلحة بالقرب إلى الله وموافقة الصالحين، ومن دفع المفسدة بالنهي عن المستقبل من السيّئات، والتكفير للماضي منها. وهو نظير الآية.

وكذلك قوله: { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إنّ الحسنات يذهبن السيّئات } [ هود: 114] ، فهذا دفع المؤذي. ثمّ قال: { ذلك ذكرى للذاكرين } ، فهذا مصلحة. وفضائل الأعمال وثوابها وفوائدها ومنافعها كثير في الكتاب والسنّة من هذا النمط، كقوله في الجهاد: { يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنّات تجري من تحتها الأنهار } ، إلى قوله: { وأخرى تحبّونها نصر من الله وفتح قريب } [ الصف: 12، 13 ] ، فبيّن ما فيه من دفع مفسدة الذنوب، ومن حصول مصلحة الرحمة بالجنّة، فهذا في الآخرة. وفي الدنيا: النصر والفتح، وهما أيضًا دفع المضرّة وحصول المنفعة، ونظائره كثيرة.

(1) أخرجه الترمذي ( 3558 ) ، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت