فهرس الكتاب
وأمّا من السيّئات فكقوله: { إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة } [ المائدة: 91] ، فبيّن فيه العلّتين؛ إحداهما: حصول مفسدة العداوة الظاهرة والبغضاء الباطنة.
والثانية: المنع من المصلحة التي هي رأس السعادة، وهي ذكر الله والصلاة، فيصدّ عن المأمور به إيجابًا واستحبابًا.
وبهذا المعنى علّلوا كراهة أنواع الميسر من الشطرنج ونحوه، فإنّه يورث هذه المفسدة، ويصدّ عن المأمور به. وكذلك الغناء فإنّه يورث القلب نفاقًا، ويدعو إلى الزنى، ويصدّ القلب عن ما أمر به من العلم النافع والعمل الصالح، فيدعو إلى السيّئات، وينهى عن الحسنات، مع أنّه لا فائدة فيه، والمستثنى منه عارضه ما أزال مفسدته كنظائره.
وكذلك البدع الاعتقاديّة والعمليّة تتضمّن ترك الحقّ المشروع الذي يصدّ عنه من الكلم الطيّب والعمل الصالح، إمّا بالشغل عنه، وإمّا بالمناقضة، وتتضمّن أيضًا حصول ما فيها من مفسدة الباطل اعتقادًا وعملًا. وهذا باب واسع إذا تُؤمّل؛ انفتح به كثير من معاني الدين"."
القاعدة الثانية عشرة: ( الفعل الواحد في الظاهر؛ يثاب الإنسان على فعله مع النيّة الصالحة، ويعاقب على فعله مع النيّة الفاسدة ) [1] .
قال الشيخ ـ رحمه الله ـ ممثّلًا لذلك:"فمن حجّ ماشيًا لقوّته على المشي، وآثر بالنفقة؛ كان مأجورًا أجرين: أجر المشي، وأجر الإيثار. ومن حجّ ماشيًا بخلًا بالمال، وإضرارًا بنفسه؛ كان آثمًا إثمين: إثم البخل، وإثم الإضرار. ومن حجّ راكبًا لضعفه عن المشي، وللاستعانة بذلك على راحته ليتقوّى بذلك على العبادة؛ كان مأجورًا أجرين، ومن حجّ راكبًا يظلم الجمال والحمّال؛ كان آثمًا إثمين."
(1) مجموع الفتاوى: 22/ 138.